عبس · الآية 23

﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ

«كَلَّا»: رَدعٌ يَقطَعُ السِّياقَ ويَرُدُّ السّامِعَ إلى نَفسِه

سِتّةُ أفعالٍ مَضَت مُتَوالِيَة، ثُمَّ تَقِفُ الآيةُ وَقفةً واحِدة، و«كَلَّا» لا تُخبِرُ بِشَيءٍ ولا تَصِفُ شَيئاً، وهي تَقطَعُ الجَرَيانَ وتُعيدُ النَّظَرَ إلى المَوصوفِ نَفسِه.

وهي ثانِيَةُ مَرّةٍ في هذه السّورة، وكانَتِ الأُولى فاصِلاً بَينَ ما مَضى وما استُؤنِف: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، فالكَلِمةُ نَفسُها تَعمَلُ عَمَلَها مَرَّتَين، إذ تَضَعُ حَدّاً حَيثُ يَظُنُّ السّامِعُ أنَّ الكَلامَ ماضٍ على وَجهِه.

«لَمَّا يَقْضِ»: نَفيٌ فيه انتِظار

و«لَمّا» غَيرُ «لَم»: فـ«لَم يَقضِ» تَنفي وتَسكُت، و«لَمّا يَقضِ» تَنفي إلى ساعةِ الكَلامِ وتُبقي الوَجهَ مَفتوحاً لِما بَعدَها، فالنَّفيُ هُنا لَه طَرَفٌ في الزَّمَنِ لا يَتَجاوَزُه، أي لم يَقضِ بَعدُ.

والفِعلُ مَجزومٌ حُذِفَت ياؤُه، فالكَلِمةُ نَفسُها تُلفَظُ ناقِصةً حَرفاً، والمَعنى نُقصانُ عَمَلٍ لم يَتِمّ، وصورةُ اللَّفظِ تُشبِهُ ما يَدُلُّ عَلَيه.

والقَضاءُ من ق-ض-ي، وهو فَصلٌ قاطِعٌ يَقَعُ على ما كانَ مَضغوطاً مُحتَبِساً ثُمَّ يَمضي حتّى يَبلُغَ آخِرَه، ومِنه «قَضى الدَّينَ» إذا أدّاه فلم يَبقَ مِنه شَيء. فالمَنفِيُّ في الآيةِ البُلوغُ دونَ الابتِداء، وقد بَقِيَ من الأمرِ ما لم يُمضَ.

«مَا أَمَرَهُ»: «ما» تُغلِقُ المَقطَعَ كَما فَتَحَته

وافتُتِحَ المَقطَعُ بِـ«مَا أَكْفَرَهُ» وخُتِمَ بِـ«مَا أَمَرَهُ»، والشَّكلُ واحِد: «ما» ثُمَّ فِعلٌ ثُمَّ هاء. والأولى تَعَجُّبٌ لا يُحَدّ، والثّانِيَةُ صِلةٌ تُحَدِّدُ ما لم يُقضَ، فهُما طَرَفانِ من لَفظٍ واحِد، وبَينَهُما القِصّةُ كُلُّها.

وأصلُ أ-م-ر انبِثاقٌ حادٌّ يَضُمُّ ما تَفَرَّقَ في مَقصِدٍ واحِدٍ ثُمَّ يُمَدُّ إلى مَن يَستَقبِلُه، ومِنه «الأمرُ» لِلشَّأنِ الذي تُجمَعُ عَلَيه الإرادة، و«ائتَمَرَ القَومُ» إذا تَشاوَروا حتّى اجتَمَعوا على وَجه. فالأمرُ إرادةٌ تُجمَعُ ثُمَّ تُرسَلُ إلى غَيرِ صاحِبِها.

والهاءُ في «أَمَرَهُ» هي الهاءُ نَفسُها التي تَوالَت في «خَلَقَهُ» و«قَدَّرَهُ» و«أَمَاتَهُ» و«أَقْبَرَهُ» و«أَنشَرَهُ»، أمّا هاءُ «يَسَّرَهُ» فلِلسَّبيل. وقد كانَ في كُلِّها مَفعولاً يُصنَع، وهو هُنا مَأمورٌ يُنتَظَرُ مِنه فِعل، ومَن أُجرِيَت عَلَيه أفعالٌ مُتَوالِيةٌ يُطلَبُ مِنه واحِد.


حَصيلة

تَقِفُ الآيةُ بِـ«كَلَّا» بَعدَ سِتّةِ أفعالٍ مُتَوالِية، وهي ثانِيَةُ مَرّةٍ تَقَعُ فيها هذه الكَلِمةُ في السّورةِ بَعدَ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، فهي حَدٌّ يوضَعُ حَيثُ يُظَنُّ الكَلامُ ماضِياً على وَجهِه. ثُمَّ جاءَت «لَمَّا» دونَ «لَم»، وهي نَفيٌ يَنتَهي عِندَ ساعةِ الكَلامِ ويُبقي ما بَعدَها مَفتوحاً، والفِعلُ مَجزومٌ ناقِصُ حَرفٍ كَما هو ناقِصُ تَمام. وق-ض-ي فَصلٌ يَمضي حتّى يَبلُغَ آخِرَه، فالمَنفِيُّ بُلوغُ الغايةِ لا الابتِداء. ثُمَّ «مَا أَمَرَهُ» يُغلِقُ المَقطَعَ بِالشَّكلِ الذي فَتَحَه «مَا أَكْفَرَهُ»، وأ-م-ر إرادةٌ تُجمَعُ ثُمَّ تُمَدُّ إلى مَن يَستَقبِلُها. والهاءُ التي كانَت مَفعولاً في خَمسةٍ مِن تِلكَ الأفعال تَصيرُ هُنا مَأموراً يُنتَظَرُ مِنه فِعل. فالآيةُ تَنفي ولا تُغلِق، وتَقِفُ عِندَ «بَعدُ».