عبس · الآية 24

﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ

«فَلْيَنظُرِ»: أمرٌ يَجيءُ بَعدَ أمرٍ لم يُقضَ

قَبلَ هذه الآيةِ وَقفة: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾. أمرٌ سابِقٌ لم يُنفَّذْ بَعد. ثُمَّ تَجيءُ الفاءُ ولامُ الأمرِ فيَنزِلُ أمرٌ آخَر. ولَيسَ أمراً بِعَمَلٍ يُتعِبُ اليَد، بَل بِنَظَرٍ يَقَعُ على ما هو مَوضوعٌ أمامَه.

واللّامُ لامُ أمرٍ لِلغائِب. لم يُقَلْ «انظُرْ» في وَجهِه، بَل «فَلْيَنظُرْ» من وَرائِه. والغائِبُ يُؤمَرُ فيَبلُغُه الأمرُ على بُعد، فتَبقى المَسافةُ التي أقامَتها الآياتُ قَبلَه قائِمةً كما هي.

والنَّظَرُ في ن-ظ-ر تَوَجُّهٌ يَنبَعِثُ من الباطِنِ فيُطبِقُ على المَنظورِ ويَستَمِرُّ عَلَيه. فالمَطلوبُ إمعانٌ يَدومُ لا لَمحةُ عَينٍ تَمُرّ. وبَينَ مَن رَأى طَعامَه ألفَ مَرّةٍ ومَن نَظَرَ إليه مَرّةً واحِدةً فَرقُ ما بَينَ العادةِ والرُّؤية.

«الْإِنسَانُ»: الاسمُ يُرَدُّ ظاهِراً بَعدَ سِلسِلةِ ضَمائِر

ذُكِرَ الاسمُ صَريحاً في قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾، ثُمَّ تَتابَعَتِ الأفعالُ بَعدَه مَوصولةً بِهاءِ الغائِبِ لا غَير. ثُمَّ يُرَدُّ الاسمُ ظاهِراً في هذه الآية. ومَن رُدَّ اسمُه بَعدَ أن كانَ ضَميراً فقد أُعيدَ إلى المُواجَهة.

والإنسانُ في أ-ن-س ظُهورٌ مُستَمِرٌّ يَأنَسُ بِمَحَلِّه ويُؤنَسُ بِه. فهو الكائِنُ الذي يَألَفُ ما حَولَه ويَسكُنُ إليه. وما ألِفَه المَرءُ كَفَّ عن رُؤيَتِه، وأوَّلُ ما يَخرُجُ من دائِرةِ النَّظَرِ هو الذي يَقَعُ في اليَدِ كُلَّ يَوم.

«إِلَىٰ طَعَامِهِ»: أقرَبُ ما يَمَسُّ يُجعَلُ غايةَ النَّظَر

لم يُقَلْ «فَلْيَنظُرْ إلى السَّماء» ولا «إلى نَفسِه». قيلَ «إلى طَعامِه»: أدنى ما يُتَناوَلُ في يَومِه، وأقَلُّ ما يُظَنُّ أنَّ فيه مَوضِعاً لِإمعانِ نَظَر.

والطَّعامُ في ط-ع-م ما يَنبَسِطُ من عُمقٍ فيَلتَصِقُ بِالجَوفِ ويَملَؤُه. فهو في جَذرِه داخِلٌ لا خارِج: يَصيرُ بَدَناً بَعدَ أن كانَ خارِجَ البَدَن. والمَأمورُ بِالنَّظَرِ يَنظُرُ إلى ما سَيَصيرُ هو نَفسَه بَعدَ حين.

ثُمَّ الهاءُ في آخِرِ الكَلِمة: «طَعامِه». أُضيفَ إليه فصارَ لَه. وهذه الإضافةُ هي مَوضِعُ السُّؤالِ كُلِّه، وما بَعدَها يُفَكِّكُها فِعلاً فِعلاً.


حَصيلة

أمرٌ لم يُقضَ، ثُمَّ أمرٌ آخَرُ يَنزِلُ بِالفاءِ ولامِ الأمر، وهو نَظَرٌ لا عَمَل. واللّامُ لِلغائِبِ فيَبقى المَأمورُ على بُعدِه. والنَّظَرُ من ن-ظ-ر تَوَجُّهٌ يَنبَعِثُ من الباطِنِ فيُطبِقُ على المَنظورِ ويَدومُ عَلَيه، لا لَمحةٌ تَمُرّ. والمَأمورُ «الإنسان» من أ-ن-س، مَن يَأنَسُ بِمَحَلِّه فيَألَفُه، وما ألِفَه كَفَّ عن رُؤيَتِه. والمَنظورُ إليه «طَعامُه» من ط-ع-م، ما يَنبَسِطُ من عُمقٍ فيَملَأُ الجَوفَ ويَصيرُ بَدَناً. وأُضيفَ إليه بِهاءٍ واحِدةٍ تُثبِتُ المِلك. فالآيةُ تَأمُرُ بِأقصَرِ نَظَرٍ إلى أقرَبِ مَنظور، وتَتَكَفَّلُ الآياتُ بَعدَها بِأن تَقولَ مَن صَنَعَ الذي قيلَ فيه «طَعامِه».