عبس · الآية 22

﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ

«إِذَا»: ظَرفٌ لِما يَقَعُ، لا أداةُ شَكٍّ في وُقوعِه

عُدِلَ عن «إن شاء» إلى «إِذَا شَاءَ»، والأولى تُعَلِّقُ الأمرَ على احتِمال، والثّانِيَةُ تَضَعُه في وَقتٍ يَجيء، فالمُعَلَّقُ هُنا هو الوَقتُ لا الوُقوع: مَتى، لا هَل.

وهذا أوَّلُ مَوضِعٍ في السِّلسِلةِ يُذكَرُ فيه شَرط، وقد كانَ الخَبَرُ يَجري: خَلَقَ، قَدَّرَ، يَسَّرَ، أماتَ، أقبَر، فلمّا بَلَغَ ما بَعدَ الطَّيِّ دَخَلَ الظَّرفُ فحَجَبَ المِيقاتَ وَحدَه، وتَرَكَ الفِعلَ قائِماً.

«شَاءَ»: تَعيينُ طَرَفٍ واحِدٍ من بَينِ المُمكِن

و«شاءَ» من ش-ي-أ: انتِشارٌ دَقيقٌ يَسري في الجِهاتِ ثُمَّ يُقطَعُ مِنه طَرَفٌ واحِدٌ فيَثبُت. ومن هذا الجِذرِ نَفسِه جاءَ «شَيْءٍ» في السُّؤالِ قَبلَ آياتٍ أربَع: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، فالمُعَيَّنُ هُناكَ مادّة، وهو هُنا وَقت.

وفاعِلُ «شَاءَ» مُستَكِنٌّ كَما كانَ في كُلِّ فِعلٍ قَبلَه، ولم يُصَرَّحْ بِه مُنذُ «خَلَقَهُ»، وهو الفاعِلُ نَفسُه في سِتّةِ أفعالٍ مُتَوالِية، والضَّميرُ يَحمِلُ السِّلسِلةَ كُلَّها ولا يُنطَقُ بِه مَرّة.

«أَنشَرَهُ»: بَسطُ ما طُويَ، والجِذرُ يُقابِلُ جِذرَ القَبر

وأصلُ ن-ش-ر انبِعاثٌ من باطِنٍ يَتَفَشّى فيَنتَشِر، ثُمَّ يَجري فيَمتَدُّ ولا يَقِفُ عِندَ حافّة، ومِنه «نَشَرَ الثَّوبَ» إذا بَسَطَه بَعدَ طَيّ، و«نَشَرَ الكِتابَ» إذا فَتَحَه فبَدا ما فيه. فالنَّشرُ ضِدُّ الطَّيِّ في نَفسِ الحَرَكةِ لا في المَعنى وَحدَه.

وهذا هو الذي يَجعَلُ الآيَتَينِ مُتَقابِلَتَين: «فَأَقْبَرَهُ» طَيٌّ يُمسِك، و«أَنشَرَهُ» بَسطٌ يُطلِق، والحُروفُ نَفسُها تَدُلُّ على التَّقابُل، فهُناكَ لَمسةٌ تَلتَحِمُ فتَستُر، وهُنا انبِعاثٌ يَتَفَشّى فيَظهَر.

و«أنشَرَ» على أفعَلَ كَما كانَ «أماتَ» و«أقبَرَ»، فهي ثَلاثةُ أفعالٍ في آيَتَين، هَمزَتُها في الصَّدرِ تَنقُلُ الفِعلَ عن صاحِبِه، والهاءُ في آخِرِها كُلِّها واحِدة. وفي السِّلسِلةِ سِتّةُ أفعالٍ وضَميرٌ لا يَتَحَوَّلُ عن مَوضِعِه إلّا في «يَسَّرَهُ»، من قَطرةٍ إلى حَدٍّ إلى مَجرىً إلى سُكونٍ إلى طَيٍّ إلى بَسط، وهو في خَمسةٍ مِنها المَفعول.


حَصيلة

تَدخُلُ «إِذَا» فتُعَلِّقُ الوَقتَ لا الوُقوع: مَتى، لا هَل، وهو أوَّلُ شَرطٍ في سِلسِلةٍ كانَت تَجري بِلا شَرط. و«شَاءَ» (ش-ي-أ) سَريانٌ يُقطَعُ مِنه طَرَفٌ واحِدٌ فيَتَعَيَّن، وهو الجِذرُ الذي دارَ عَلَيه السُّؤالُ عَنِ المادّةِ في مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، فالتَّعيينُ هُناكَ مادّةٌ وهُنا مِيقات. و«أَنشَرَهُ» (ن-ش-ر) انبِعاثٌ يَتَفَشّى ثُمَّ يَجري مُمتَدّاً، أي بَسطُ ما طُويَ، فيَقَعُ الجِذرُ مُقابِلاً لِجِذرِ «فَأَقْبَرَهُ» حَرفاً بِحَرف. وهي ثالِثةُ أفعالٍ على أفعَل، وفاعِلُها مُستَكِنٌّ لم يُصَرَّحْ بِه في سِتّةِ أفعالٍ مُتَوالِيةٍ بَعدَ «خَلَقَهُ»، ومَفعولُها ضَميرٌ واحِدٌ لم يُغادِرْ مَوضِعَه، ومَن طُويَ بِغَيرِ يَدِه يُبسَطُ بِغَيرِ يَدِه.