التكوير · الآية 28

﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ

«لِمَن»: لامٌ ثانِيةٌ تُخَصِّصُ ما بَسَطَته الأُولى

وقد جاءَتِ اللّامُ في الآيةِ السّابِقةِ فبَسَطَت: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾، ثُمَّ عادَتِ اللّامُ نَفسُها هُنا فضَيَّقَت: «لِمَن شاءَ مِنكُم»، فهو حَرفٌ واحِدٌ في مَوضِعَين، الأوَّلُ يَفتَحُ والثاني يَفرِز.

ولا يُلغي الثاني الأوَّل، فالإرسالُ عامٌّ كما قيل، والانتِفاعُ يَقَعُ حَيثُ وَقَعَ الأخذ، والذِّكرُ مَبسوطٌ على العالَمينَ كُلِّهِم، ومَن أرادَ مِنه شَيئاً مَدَّ يَدَه، كالمائِدةِ توضَعُ لِلدّارِ ولا يَشبَعُ مِنها إلّا مَن أكَل.

«شَاءَ … مِنكُمْ»: اقتِطاعُ واحِدٍ من مُنتَشِر

والمَشيئةُ من ش-ي-أ، وأصلُه مُنتَشِرٌ دَقيقٌ يَسري ولا يَقِفُ عِندَ حَدّ، ثُمَّ تَقطَعُ الهَمزةُ هذا السّاريَ فتُخرِجُ مِنه واحِداً دَفعةً، فالمَشيئةُ في حُروفِها اقتِطاع، أي فَرزُ واحِدٍ ممّا لا يَنحَصِر.

ولِذلك جاءَت «مِن» بَعدَها، و«مِنكُم» تَبعيضِيّةٌ تُسَمّي الجُملةَ التي يُقتَطَعُ مِنها، فالفِعلُ يَفرِز، والحَرفُ يُبَيِّنُ من أينَ فُرِز، وهو هذه الجَماعةُ المُخاطَبةُ نَفسُها، لا قَومٌ آخَرون.

وهُم هُم: الذينَ قيلَ لَهُم وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾، وسُئِلوا فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾، وقد فُتِحَ فيهِم بَعدَ الرَّدِّ والسُّؤالِ بابٌ يَخرُجُ مِنه مَن يَخرُج، ولم يُستَبدَلْ بِهِم غَيرُهُم، ومَن شاءَ فقد أخرَجَ نَفسَه من العَدَدِ وصارَ واحِداً يُعَدّ.

«أَن يَسْتَقِيمَ»: إمساكُ المَجموعِ على سِلكٍ واحِد

ومادّةُ ق-و-م عَقدٌ يَلتَئِمُ في العُمقِ ويُمسِكُ ما جَمَعَه من باطِنِه، ووُجوهُ حَرفَيهِ الصَّحيحَينِ عَقدٌ وإمساك، فالقِيامُ فيه مَسكُ المَجموعِ لِئَلّا يَنفَرِط، والارتِفاعُ ثَمَرةُ الإمساكِ لا أصلُه.

و«يَستَقيم» على وَزنِ استَفعَلَ في مَعنى الصَّيرورة، أي أن يَصيرَ مَمسوكاً على سِلكٍ واحِدٍ لا يَتَفَرَّق، والمَطلوبُ أن يَجتَمِعَ المُتَفَرِّقُ من الرَّجُلِ في خَيطٍ لا يَنقَطِع، دونَ هَيئةٍ تُتَّخَذُ بِالبَدَن. و«أن» المَصدَرِيّةُ مَعَ المُضارِعِ تَجعَلُه مَطلوباً لم يَقَعْ بَعد، فهو بابٌ يُشارُ إلَيه، لا حالٌ توصَف.

وفي الآيةِ الواحِدةِ حَرَكَتانِ مُتَعاكِسَتان: «شاءَ» يَقتَطِعُ الواحِدَ من الجَماعةِ فيُفَرِّق، و«يَستَقيم» يَجمَعُ ما في الواحِدِ فلا يَنفَرِط، فيَخرُجُ من العَدَدِ مُفرَداً ثُمَّ يَلُمُّ نَفسَه فلا يَتَبَدَّد، ومَن لم يُفرَزْ لم يُجمَع.


حَصيلة

تَعودُ اللّامُ من الآيةِ السّابِقةِ فتَفعَلُ ضِدَّ ما فَعَلَت، فقد بَسَطَت هُناكَ على «العالَمين»، وهي تَفرِزُ هُنا «مَن شاءَ مِنكُم»، والخُصوصُ لا يُلغي العُموم، فالإرسالُ مَبسوطٌ والانتِفاعُ مَأخوذ. وأصلُ ش-ي-أ اقتِطاعُ واحِدٍ من مُنتَشِر، ولِذلك لَزِمَته «مِن» التَّبعيضِيّة، فالفِعلُ يَفرِز، والحَرفُ يُسَمّي الجَماعةَ التي فُرِزَ مِنها، وهي الجَماعةُ المُخاطَبةُ نَفسُها التي رَدَّت وسُئِلَت. ثُمَّ «يَستَقيم» من ق-و-م، وهو في حَرفَيهِ عَقدٌ يَلتَئِمُ وإمساكٌ لِما جَمَع، لا ارتِفاع، ووَزنُ استَفعَلَ يَجعَلُه صَيرورةً، أي أن يَصيرَ مَمسوكاً على سِلكٍ واحِدٍ لا يَنفَرِط. فهُما حَرَكَتانِ في آيةٍ واحِدة: فَرزٌ يُخرِجُه من الجَماعة، وجَمعٌ يَلُمُّه على نَفسِه.