التكوير · الآية 29

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ

«وَمَا تَشَاءُونَ»: الفِعلُ يَبقى مَنسوباً إلَيكُم

الفِعلُ هو الفِعلُ الذي جاءَ قَبلَ سَطر: لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾. هُناكَ ماضٍ وغَيبة، وهُنا مُضارِعٌ وخِطاب. انتَقَلَ من «مَن شاءَ» إلى «تَشاءُون»، فصارَ الكَلامُ في وُجوهِ المُخاطَبينَ بَعدَ أن كانَ عَنهُم.

وواوُ الجَماعةِ في «تَشاءُون» فاعِل. لم يُنزَعِ الفِعلُ عَنهُم ولم يُنقَلْ إلى غَيرِهِم، بل بَقِيَ مُسنَداً إلَيهِم وهو يُنفى. والذي دَخَلَ عَلَيه النَّفيُ وُقوعُه لا نِسبَتُه، فما زالَ فِعلَهُم في الجُملةِ التي تَنفيه.

«إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ»: استِثناءٌ يَصِلُ ولا يَنزِع

«ما» ثُمَّ «إلّا»، والمُستَثنى مِنه غَيرُ مَذكور. فالاستِثناءُ مُفَرَّغ، والنَّفيُ لا يَستَقِرُّ إلّا بَعدَ أن يَرُدَّه ما بَعدَ «إلّا». يُقالُ لَهُم أوَّلاً: لا مَشيئةَ لَكُم؛ ثُمَّ لا تَتِمُّ الجُملةُ حتّى تُرَدَّ المَشيئةُ داخِلَ مَشيئة.

واللَّفظُ واحِدٌ في الطَّرَفَين: «تَشاءُون» و«يَشاء». فِعلٌ واحِدٌ بِفاعِلَينِ اثنَين، وحَرفُ الاستِثناءِ بَينَهُما لا يَجعَلُ أحَدَهُما بَدَلاً من الآخَر. الأوَّلُ قائِمٌ في مَوضِعِه، والثاني ظَرفٌ يَقَعُ فيه.

ولَفظُ الجَلالةِ من أ-ل-ه: تَعَلُّقُ قَصدٍ يَنقَطِعُ عَمّا سِواه ويَجري إلى واحِد. فحينَ أُسنِدَ الفِعلُ إلى هذا الاسمِ لم يُوضَعْ فاعِلٌ إلى جانِبِ فاعِل، بل وُضِعَ الواحِدُ الذي إليه يَنتَهي كُلُّ قَصد. اقتِطاعٌ في اقتِطاع.

«رَبُّ الْعَالَمِينَ»: خِتامٌ يَرُدُّ الكَلِمةَ إلى مَوضِعِها

الجِذرُ ر-ب-ب لَمسٌ يُمسِكُ ويَتَّصِلُ فلا يُفارِق، ثُمَّ يُعادُ الاتِّصالُ على نَفسِه بِتَشديدِ الباءِ فيَشتَدُّ ويَدوم. فالرَّبُّ مُلازِمٌ يُمسِكُ ما تَحتَ يَدِه ويُنَمّيه، لا مُتَعالٍ يَنظُرُ من بَعيد.

وجاءَ مُضافاً إلى «العالَمين»، والكَلِمةُ هي هي التي خُتِمَ بِها السَّطرُ قَبلَ سَطرَين: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾. مَرَّتانِ في ثَلاثةِ أسطُر، وفي الخِتامِ آخِرُ كَلِمةٍ في السّورة. الذِّكرُ لِلعالَمين، والمَشيئةُ لِرَبِّ العالَمين.

وهذا يُغلِقُ الحَلقة. فُتِحَ بابُ الانتِفاعِ بِكَلِمةٍ، وأُغلِقَتِ السّورةُ بِها مُضافةً إلى مَن يُمسِكُها. مَن أُرسِلَ إلَيهِم هُم أنفُسُهُم المُمسَكونَ بِمَن أرسَل. لا تُوضَعُ مَشيئةٌ في يَدِ مَن لا يُمسِكُ صاحِبَها.


حَصيلة

يَعودُ فِعلُ السَّطرِ السّابِقِ ماضِياً في الغَيبةِ فيَصيرُ مُضارِعاً في الخِطاب: من «مَن شاءَ مِنكُم» إلى «وما تَشاءُون». وواوُ الجَماعةِ فاعِلٌ لم يُنزَعْ، فالنَّفيُ يَقَعُ على وُقوعِ الفِعلِ لا على نِسبَتِه، ويَبقى الفِعلُ فِعلَهُم في الجُملةِ التي تَنفيه. ثُمَّ يَجيءُ الاستِثناءُ مُفَرَّغاً بِلا مُستَثنىً مِنه مَذكور، فلا تَتِمُّ الجُملةُ حتّى تُرَدَّ المَشيئةُ داخِلَ مَشيئة. واللَّفظُ واحِدٌ في الطَّرَفَين، «تَشاءُون» و«يَشاء»، وحَرفُ الاستِثناءِ لا يُبَدِّلُ فاعِلاً بِفاعِل: الأوَّلُ قائِمٌ، والثاني ظَرفٌ يَقَعُ فيه. ولَفظُ الجَلالةِ من أ-ل-ه، تَعَلُّقُ قَصدٍ يَنتَهي إلى واحِد؛ ثُمَّ «رَبُّ العالَمين» من ر-ب-ب، إمساكٌ مُلازِمٌ يُنَمّي ما أمسَك. وقَد بَدَأتِ السّورةُ بِشُروطٍ مُتَتالِيةٍ لا تَنتَهي إلّا عِندَ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾، نَفسٍ واحِدةٍ تَعلَمُ ما جاءَت بِه؛ وتُختَمُ الآنَ بِمَشيئةٍ واحِدةٍ تَقَعُ في جَوفِها المَشيئات. الذِّكرُ لِلعالَمين، والمَشيئةُ لِرَبِّ العالَمين، والكَلِمةُ واحِدةٌ في الطَّرَفَين.