التكوير · الآية 6

﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ

«الْبِحَارُ»: سَعةٌ تُعرَفُ بِحَدِّها

والبَحرُ من ب-ح-ر، ومَعناه مُتَّسِعٌ مُمسَكٌ بَينَ حَدَّينِ يَجري فيه ما يَجري، ولِذلك يَقَعُ اللَّفظُ في كَلامِ العَرَبِ على البَحرِ وعلى النَّهرِ الواسِعِ وعلى البُحَيرة، والمُشتَرَكُ بَينَها اتِّساعٌ مَحصورٌ يُمسِكُ ما فيه، دونَ المِلحِ والعُمق.

فالبَحرُ يُعرَفُ بِالشَّطِّ الذي يَقِفُ عِندَه، والماءُ وَحدَه لا يُعَرِّفُه، والذي يَجعَلُه بَحراً أنَّه يَسَعُ ولا يَفيض. وجاءَ الجَمعُ «الْبِحَارُ» فتَعَدَّدَتِ الحُدود، دونَ الحَدِّ الواحِد.

«سُجِّرَتْ»: مَلءٌ يَبلُغُ مُنتَهاه

وأصلُ س-ج-ر مَلءُ جَوفٍ بِما يَجري فيه حتّى يَبلُغَ مُنتَهاه، يُقالُ سَجَرَ النَّهرَ إذا مَلأه، وسَجَرَ التَّنّورَ إذا مَلأه بِوَقودِه حتّى حَمِي. فالمادّةُ في أصلِها مَلء، والحَرارةُ ثَمَرةُ المَلءِ إذا بَلَغَ غايَتَه.

وجاءَ الفِعلُ على فُعِّلَت، والتَّضعيفُ فيه يُكَثِّرُ المَلءَ ويُعَمِّمُه في البِحارِ كُلِّها، لا في واحِدٍ مِنها، وبُنِيَ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالمَملوءُ مَذكورٌ والمالِئُ مَتروك.

حَدٌّ يُملَأُ حتّى يَبطُلَ حَدُّه

والاسمُ يَدُلُّ على إمساك، والفِعلُ على مَلءٍ يَبلُغُ مُنتَهاه، فإذا بَلَغَ المَلءُ مُنتَهى المُمسِكِ لم يَبقَ لِلحَدِّ عَمَل. وهذا هو النَّسَقُ نَفسُه في السّورة، يُؤخَذُ فيه الشَّيءُ من جِهةِ ما كانَ بِه هو.

وقد جاءَتِ البِحارُ في السّورةِ بَعدَ الجِبال، وهُما في عَينِ النّاظِرِ الحَدّانِ الكَبيران: ما يَقِفُ عِندَه البَصَرُ في البَرّ، وما يَقِفُ عِندَه في البَحر، فُكَّ الأوَّلُ من مَوضِعِه، ومُلِئَ الثّاني حتّى فاضَ عن مَوضِعِه.


حَصيلة

«الْبِحَارُ» من ب-ح-ر، وهو مُتَّسِعٌ مُمسَكٌ بَينَ حَدَّينِ يَجري فيه ما يَجري، ولِذلك يَقَعُ اللَّفظُ على كُلِّ مِسطَحٍ واسِعٍ مَحصور، فالتَّعريفُ فيه بِالحَدِّ دونَ المادّة. و«سُجِّرَتْ» في جِذرِها س-ج-ر مَلءُ جَوفٍ بِما يَجري فيه حتّى يَبلُغَ مُنتَهاه، ومِنه سَجرُ التَّنّورِ حتّى يَحمى وسَجرُ النَّهرِ حتّى يَمتَلِئ. والفِعلُ على فُعِّلَت مَبنِيّاً لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فهو مَلءٌ عامٌّ مُكَثَّرٌ لا يُسَمّى مالِئُه ولا مادَّتُه، وما كانَ حَدُّه أن يُمسِكَ يُملَأُ حتّى لا يَبقى لِلإمساكِ مَعنى.