الانشقاق · الآية 8

﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا

«فَسَوْفَ»: تَراخٍ في المَوعِدِ لا في الوُقوع

الفاءُ رابِطةٌ لِجَوابِ «أمّا»، و«سَوفَ» حَرفُ تَنفيسٍ يُباعِدُ الزَّمَنَ ولا يُضعِفُ الخَبَر. ما دَخَلَت عَلَيه واقِعٌ، وإنَّما أُخِّرَ مَوعِدُه.

وستُقالُ الكَلِمةُ نَفسُها في الجِهةِ المُقابِلة: فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾. المُهلةُ واحِدةٌ لِلجِهَتَين، والذي يَختَلِفُ ما يَنزِلُ بَعدَها. حَرفٌ واحِدٌ يُؤَجِّلُ لِهذا نَجاتَه ولِذاك نِداءَه.

«يُحَاسَبُ»: فِعلُ طَرَفَينِ يُذكَرُ مِنه طَرَفٌ واحِد

«حاسَبَ» على وَزنِ فاعَلَ، وهو وَزنٌ لا يَقومُ إلّا بِاثنَين: واحِدٌ يَعُدُّ وواحِدٌ يُعَدُّ عَلَيه. ثُمَّ بُنِيَ الفِعلُ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه فسَقَطَ أحَدُ الطَّرَفَينِ من اللَّفظِ وبَقِيَ الواقِعُ عَلَيه. فِعلٌ لا يَتِمُّ إلّا بِاثنَينِ يُروى بِواحِد، كما رُوِيَ الإيتاءُ قَبلَه بِواحِد.

وح-س-ب إحاطةٌ جارِيةٌ تَلتَصِقُ بِما أحصَت، ومِنه «الحِساب» عَدٌّ يَمُرُّ على التَّفصيلِ مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ حتّى لا يَبقى فيه مَتروك. فلَيسَ في الجَذرِ مُفاجَأَةٌ ولا عاصِفة، فيه تَتَبُّعٌ لا يَقفِزُ عن شَيء.

«حِسَابًا يَسِيرًا»: المَصدَرُ يُثَبِّتُ والصِّفةُ تُخَفِّف

«حِسَابًا» مَفعولٌ مُطلَقٌ من لَفظِ الفِعل، والمَفعولُ المُطلَقُ تَوكيدٌ يُثَبِّتُ وُقوعَ الحَدَثِ قَبلَ أن يُوصَف. أُثبِتَ العَدُّ أوَّلاً، ثُمَّ جاءَ الوَصف.

و«يَسِيرًا» من ي-س-ر: لِينٌ يَسيلُ ثُمَّ يَجري مُتَتابِعاً، جَريانٌ لا يُقاوِمُه شَيءٌ في مَجراه. ومِنه «يَسَّرَ الأمرَ» جَعَلَه سَلِساً لا عَقَبةَ فيه، و«المَيسور» ما مَضى بِلا كُلفة. فالوَصفُ واقِعٌ على المَجرى لا على المِقدار.

ولَيسَ في اللَّفظِ نَقصٌ في العَدِّ ولا إسقاطٌ لِبابٍ مِنه. «حِسَابًا» ثابِتٌ، و«يَسِيرًا» صِفَتُه. الذي خَفَّ هو المُرور، لا المَعدود.


حَصيلة

«فَسَوْفَ» تُؤَخِّرُ المَوعِدَ ولا تَمَسُّ الوُقوع، وهي الكَلِمةُ التي تُفتَتَحُ بِها الجِهةُ الأُخرى أيضاً. ثُمَّ «يُحَاسَبُ» على فاعَلَ مَبنِيّاً لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالوَزنُ يَطلُبُ طَرَفَينِ والبِناءُ يُبقي واحِداً، كما بَقِيَ الآخِذُ وَحدَه في «أُوتِيَ». وح-س-ب إحاطةٌ جارِيةٌ تَلتَصِقُ بِما أحصَت، فالعَدُّ تَتَبُّعٌ لا يَقفِز. ثُمَّ «حِسَابًا» مَفعولاً مُطلَقاً يُثبِتُ الحَدَث، و«يَسِيرًا» صِفةً مِن ي-س-ر: جَريانٌ لَيِّنٌ لا يُقاوَم. فالإحصاءُ تامٌّ والمَجرى مَفتوح. لَم يُوعَدْ هذا الفَريقُ بِأن يُغفَلَ عَنه شَيء، وإنَّما بِأن يَمُرَّ ما أُحصِيَ عَلَيه بِلا احتِباس.