الانشقاق · الآية 9

﴿وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا

«وَيَنقَلِبُ»: رُجوعٌ يُبدِلُ الوَجه

«وَيَنقَلِبُ» على وَزنِ انفَعَلَ، وهو وَزنُ المُطاوَعة، يَقَعُ فيه الفِعلُ بِصاحِبِه فيَنقادُ لَه، وهذا ثالِثُ ما يُذكَرُ في هذه الجِهة: أُوتِيَ، ثُمَّ يُحاسَبُ، ثُمَّ يَنقَلِب.

وق-ل-ب عُقدةٌ تَلتَئِمُ في العُمقِ فتَحوزُ ما تَعَلَّقَت بِه، ثُمَّ تَنفَتِحُ فتُخرِجُ ما حازَت، ومِنه «قَلَبَ الشَّيءَ» إذا صَيَّرَ باطِنَه ظاهِراً، و«انقَلَبَ» إذا رَجَعَ على وَجهٍ غَيرِ الذي كانَ عَلَيه، فالرُّجوعُ ها هُنا عَودٌ بِوَجهٍ ثانٍ، ولَيسَ عَوداً على العَقِبِ إلى ما كان.

«إِلَىٰ أَهْلِهِ»: غايةٌ لا مَسكَن

و«إِلَىٰ» حَرفُ انتِهاءِ غاية، فالأهلُ ها هُنا مُنتَهى حَرَكةٍ لا ظَرفٌ يُقامُ فيه، والحَرفُ يَجعَلُ الحَيِّزَ أمامَ السّائِرِ لا حَولَه.

وأ-ه-ل مَن نَزَلَ بِمَوضِعٍ فحازَه ولَزِمَه فصارَ مِنه، ومِنه «مَأهولٌ» لِلمَكانِ الذي سُكِنَ فعُمِر، و«أهلُ الدّارِ» لِمَن لَزِموها، فالأهلُ في الجَذرِ حَيِّزٌ مَملوءٌ بِمَن يَلزَمُه، ولِذلك يَستَوي فيه البَيتُ والبَلَدُ وما جَرى مَجراهُما، والمُنقَلِبُ يَنتَهي إلى حَيِّزٍ يُنسَبُ إلَيه هو.

«مَسْرُورًا»: حالٌ يَحمِلُها الرّاجِعُ لا يَصنَعُها

و«مَسْرُورًا» اسمُ مَفعولٍ مَنصوبٌ حالاً، فالسُّرورُ واقِعٌ بِه لا صادِرٌ عَنه، والحالُ مُقَيَّدةٌ بِالانقِلاب، فالمُخبَرُ بِه أنَّه يَنقَلِبُ وهذه حالُه في انقِلابِه، ولم يُخبَرْ بِأنَّه مَسرورٌ مُطلَقاً.

وس-ر-ر جَرَيانٌ لَطيفٌ يَتَتابَعُ ثُمَّ تُضَعَّفُ الرّاءُ فيَرسَخُ في الباطِن، ومِنه «السِّرُّ» لِما جَرى في الصَّدرِ فلم يَبلُغِ السَّطح، فالسُّرورُ في الجَذرِ ما انسابَ في الدّاخِلِ واستَقَرَّ فيه، لا ما لَمَعَ على الوَجهِ ثُمَّ زال.

والكَلِمةُ نَفسُها تُقالُ في المَصيرِ المُقابِل: إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، فهي لَفظٌ واحِدٌ في جِهَتَينِ مُتَقابِلَتَينِ لم يَتَغَيَّرْ فيه حَرف، والذي تَغَيَّرَ حَرفُ الجَرِّ وَحدَه: «إِلَىٰ أَهْلِهِ» ها هُنا، و«فِي أَهْلِهِ» هُناك، فهذا سُرورٌ يُقصَدُ بِه إلى أهلِه، وذاك سُرورٌ يُقامُ فيهِم.


حَصيلة

«وَيَنقَلِبُ» على انفَعَلَ لِلمُطاوَعة، وق-ل-ب عُقدةٌ في العُمقِ تَحوزُ ثُمَّ تَنفَتِحُ فتُخرِجُ ما حازَت، فهو رُجوعٌ يُبدِلُ الوَجهَ ولا يُعيدُ ما كان. ثُمَّ «إِلَىٰ» حَرفُ انتِهاءِ غاية، وأ-ه-ل حَيِّزٌ يَحوزُ مَن نَزَلَ بِه ويُلزِمُه، فالأهلُ مُنتَهى سَيرٍ لا ظَرفُ إقامة. ثُمَّ «مَسْرُورًا» اسمُ مَفعولٍ حالاً، وس-ر-ر جَرَيانٌ يَرسَخُ في الباطِن، فهي حالٌ يَحمِلُها الرّاجِعُ ولا يَصنَعُها. فهذه ثَلاثةُ أشياءَ بَعدَ الحِسابِ اليَسير: انقِلابٌ، وغايةٌ هي أهلُه، وسُرورٌ يَصحَبُ الانقِلاب. وستُقالُ الكَلِمةُ الأخيرةُ مَرَّةً ثانِيةً في الجِهةِ الأُخرى، فيَظهَرُ أنَّ الفَرقَ بَينَ المَصيرَينِ في الحَرفِ الذي يَضَعُ السُّرورَ في مَوضِعِه، لا في السُّرورِ نَفسِه.