الانشقاق · الآية 7

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ

«فَأَمَّا مَنْ»: القِسمةُ تَقَعُ على الحالِ لا على الاسم

قَبلَ هذه الآيةِ إنسانٌ واحِدٌ لا يُسَمّى: يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. نِداءٌ لِلجِنسِ كُلِّه لا لِفَريقٍ مِنه. ثُمَّ تَدخُلُ «أمّا» فتَشُقُّ ذلك الواحِدَ جِهَتَين.

و«أمّا» حَرفُ تَفصيلٍ فيه مَعنى الشَّرط، لا يُنطَقُ بِه إلّا ولَه قَسيمٌ يَتلوه. فمَن سَمِعَ «فأمّا» انتَظَرَ «وأمّا»، وانتِظارُه في مَوضِعِه: يَجيءُ القَسيمُ بَعدَ ثَلاثِ آيات.

و«مَنْ» مَوصولةٌ مُبهَمة. لم يُقَلْ «فأمّا المُؤمِنون» ولا «فأمّا فُلان»، بَل عُلِّقَ الحُكمُ بِصِلَةِ المَوصول: بِما يَقَعُ بِصاحِبِه لا بِاسمٍ يَحمِلُه قَبلَ ذلك. الكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة.

«أُوتِيَ»: يُذكَرُ الوُصولُ وتُطوى اليَدُ الدّافِعة

«أُوتِيَ» مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه. الإيتاءُ واقِعٌ والمُؤتي غَيرُ مَذكور. لا يَقولُ اللَّفظُ مَن أعطى، يَقولُ إنَّ الشَّيءَ بَلَغ.

والجِذرُ أ-ت-ي بُلوغٌ يَنبَثِقُ فيَلقى مَحَلَّه ثُمَّ يَمتَدُّ سارِياً، ومِنه «أتى» جاءَ فبَلَغ. وعلى وَزنِ أفعَلَ يَصيرُ البُلوغُ مَحمولاً: جَعلُ الشَّيءِ يَبلُغُ آخِذَه. فالحَرَكةُ كُلُّها لِلكِتاب، والآخِذُ ساكِنٌ يَقَعُ الشَّيءُ في يَدِه.

«كِتَابَهُ»: ما ثَبَتَ لَه هو

الجِذرُ ك-ت-ب حَبسٌ دَقيقٌ يَتَّصِلُ بِمَحَلِّه فيَثبُت. ومِنه «كَتَبَ» أثبَتَ ما كانَ يَذهَبُ مَعَ الصَّوت، و«كَتَبَ القِربةَ» خَرَزَها فسَدَّ مَنافِذَها. فالكِتابُ في الجَذرِ وِعاءٌ لا يَرشَح.

وأُضيفَ إلى ضَميرِه: «كِتَابَهُ». لَيسَ كِتاباً عَلَيه ولا كِتابَ غَيرِه. ما جَرى مِنه هو الذي حُبِسَ ورُبِطَ حتّى ثَبَت، ثُمَّ رُدَّ إليه. يَأخُذُ الرَّجُلُ ما أملاه.

«بِيَمِينِهِ»: باءٌ تُلصِق، وجِهةٌ يَقَعُ بِها التَّناوُل

الباءُ حَرفُ إلصاق. لم يُقَلْ «إلى يَمينِه» ولا «عَن يَمينِه» فيَكونَ الكِتابُ في نَواحيه. قيلَ «بِيَمِينِهِ»، فالتَّسليمُ مُلصَقٌ بِالجِهةِ التي بِها الأخذ.

وي-م-ن امتِدادٌ يَبلُغُ فيَضُمُّ ثُمَّ يَنبَعِثُ أثَرُه ظاهِراً. ومِنه «اليَمين» الجارِحةُ التي تَمتَدُّ فتَتَناوَلُ وتُمسِك، و«اليُمن» ظُهورُ الخَيرِ ونَماؤُه بَعدَ استِتار. فالجِهةُ المَذكورةُ جِهةُ القَبض، وفي الجَذرِ نَفسِه خَيرٌ كانَ مَستوراً فبَدا.

وهذا مُنتَهى ما نَطَقَ بِه اللَّفظ. لم تُوصَفْ هَيئةُ الأخذ، ولم تُذكَرِ اليَدُ الأُخرى بِحَرف، ولم يُقَلْ أينَ كانَ الكِتابُ قَبلَ أن يَبلُغ. جِهةٌ واحِدةٌ ذُكِرَت، وما سِواها سُكوتٌ يُقرَأُ سُكوتاً.


حَصيلة

تَبتَدِئُ القِسمةُ بِـ«أمّا»، فيَنشَقُّ الإنسانُ الواحِدُ المُنادى قَبلَ آيةٍ جِهَتَين، ويُعَلَّقُ الحُكمُ بِـ«مَنْ» مَوصولةً لا بِاسمٍ يُحمَل. ثُمَّ «أُوتِيَ» مَبنِيّاً لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالبُلوغُ مَذكورٌ والمُبلِغُ مَطويّ. ثُمَّ «كِتَابَهُ»، وك-ت-ب حَبسٌ دَقيقٌ يَتَّصِلُ فيَثبُت، وقد أُضيفَ إليه هو. ثُمَّ «بِيَمِينِهِ» بِباءِ الإلصاق، وي-م-ن امتِدادٌ يَبلُغُ فيَضُمُّ ثُمَّ يَظهَرُ أثَرُه. خَمسُ كَلِماتٍ فيها فَريقٌ بِلا اسم، وكِتابٌ بِلا مُعطٍ مُسَمّى، وجِهةٌ واحِدةٌ يَقَعُ بِها التَّناوُل. وما بَقِيَ مَوكولٌ إلى الآيةِ التّالِيةِ لا إلى القارِئ.