الضحى · الآية 2

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ

«اللَّيل»: اتّصالُ السَّترِ المُضاعَف

«اللَّيلُ» في الجِذرِ ل-ي-ل تَكرارٌ للامِ يُضاعِفُ معنى الاتّصال، وضَعفُ اللامِ يَجعَلُ الستْرَ مُمتَدّاً مَرَّتَين، فلِسانُ الظَّلامِ يَلتَصِقُ بالأرضِ ويَلتَفُّ عليها لِفَّةً ثانية، فيَختَفي ما كانَ في الضُّحى مَكشوفاً. واللَّيلُ في الكَلامِ العَربيّ وَقتُ التَّعشيشِ والإيواء، حِينَ تَأوي كلُّ نَفسٍ إلى مَوضِعِها وتَكُفُّ عن الجَرَيان، ولا يَقِفُ عِندَ كَونِه ضِدّاً لِلنَّهار.

وقد يُذكَرُ اللَّيلُ في الكتابِ بِما يُناسِبُ هذا الستْر، فحين يَتَكَلَّمُ القُرآنُ عن الإنفاقِ في السِّرّ يَختارُ الليلَ ظَرفاً، فإنّه يُخفي صورَةَ الفَقرِ كَما يُخفي مَعالِمَ النَّهار، وحين يَأمُرُ بقيامِ اللَّيلِ يَختارُ السَّاعةَ التي يَنامُ فيها الناسُ ليَستَيقِظَ مَن أَرادَ خَلوة. فاللَّيلُ يَستُرُ ليَفتَحَ مَوضِعاً لما لا يُقالُ في النَّهار، لا ليُخفيَ حَقيقَة.

«إذا سَجى»: لحظةُ السُّكونِ المُحتَوي

و«إذا» ظَرفٌ يُعَيِّنُ الزَّمَن، و«سَجى» الفِعلُ الذي يُعَيِّنُ الحال، فلا يَدخُلُ في هذا القَسَمِ كلُّ ليل، واللَّيلُ المَقصودُ هو اللحظةُ التي يَدخُلُ فيها في حالةِ السُّكون. وفي هذا التَّعيينِ بِنيَةٌ بَلاغيّةٌ مُحكَمَة، فالسورةُ تُقسِمُ بِسُكونِ الظَّلام، لا بِالظَّلامِ نَفسِه، والظَّلامُ في حَدِّ ذاتِه قد يُخيف، والسُّكونُ المُحتَوي يُهَدِّئ.

والجذرُ س-ج-و في كَلامِ العَرَبِ يَدورُ على هَدأَةٍ تَحتَوي، ومِنه «سَجَا الطَّرفُ» إذا فَتَرَ في خُشوع، و«سَجا البَحرُ» إذا سَكَنَت أَمواجُه، و«ساجِيَة» للعَينِ التي تَستَقِرُّ في حَلقَتِها بَعدَ بُكاء. وكلُّ هذه الصُّوَرِ هَدأَةٌ بَعدَ حَرَكَة، وسُكونٌ يَحتَفِظُ في باطِنه بِما كانَ يَتَحَرَّك، ولذلك كانَ اللَّيلُ السَّاجي أَرحَبَ من اللَّيلِ الأَوّل، إذ ما زالَ في باطِنِه كلُّ ما كانَ في النَّهار، غَيرَ أنّه استَكَنَّ.

والقارئُ الذي يَنطِقُ «إذا سَجى» يَلمِسُ في فَمِه نَفسَ الحَركَة، فالكَلِمَةُ تَنزِلُ من الحَلقِ إلى الفَمِ ثمّ تَنبَسِطُ على اللسانِ بِغَير شِدَّة، كَأَنَّ الفَمَ نَفسَه يَتَلَبَّسُ بِسُكونِ ما يَنطِقُ به، فاللسانُ يَفعَلُ ما يَقولُ، والكَلِمَةُ تُعَلِّمُ نَفسَها.

جَمعُ الضَّوءِ والظَّلامِ في شاهِدٍ واحد

وحين يَجتَمِعُ القَسَمانِ، الضُّحى واللَّيلُ السَّاجي، يَنفَتِحُ المَدى كلُّه، فالكَونُ بنَهارِه ولَيلِه يَشهَدُ على ما سَيُقالُ بَعدَه، والشَّهادَةُ لِدَورَةٍ تامّة، لا لِوَقتٍ واحِد. وفي هذا تَأكيدٌ بَلاغيّ على أنّ ما يَأتي بَعدَ القَسَمِ ثابِتٌ في كلِّ زَمَن، ساريٌ في الضوءِ كَما هو ساريٌ في الظَّلام.

والإنسانُ الذي يَقَعُ في فَترَةِ سُكوتٍ، فيَخافُ في باطِنه أن يَكونَ مَهجوراً، يُؤخَذُ بهذَين القَسَمَين إلى مَوضِعٍ أَوسَع، فاللَّيلُ في حياتِه غَيرُ مُنقَطِعٍ عن العِنايَة، وسُجوُّ اللَّيلِ نَفسُه شاهِدٌ على الذي يُمسِكُ الكَونَ في كلِّ حَركاتِه، وما السُّكوتُ في فَترَةٍ من حياتِه إلاّ شَكلٌ مِن أَشكالِ السَّجوّ، يَنتَهي حِينَ يَنتَهي وَقتُه.


حَصيلة

الضُّحى وحدَه شاهِدٌ ناقِص، وشاهِدُ الضَّوءِ يُكمِلُه شاهِدُ السُّكون. و«إذا سَجى» من الجِذرِ س-ج-و، وهو سُكونٌ وهُدوءٌ يَحلَّان على الشَّيء، ويُقالُ للبَحرِ إذا انقَطَعَت أَمواجُه، واللَّيلُ السَّاجي لَحظَتُه الوُسطى حِينَ يَنامُ كلُّ شَيءٍ ويَنخَفِضُ صَوتُ العالَم. والآيتانِ الأوليَتانِ تُهَيِّئانِ المَدى الأوسَع، من ساعةِ الانكِشافِ إلى ساعةِ الاستِقرار، وما يَأتي بَعدَ ذلك يُقالُ في حَضرَةِ هذا المَدى كلِّه.