الضحى · الآية 1

﴿وَالضُّحَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالضُّحَىٰ

«وَ» قَسَمٌ يَفتَحُ المَشهَد قَبلَ أن يَتَكَلَّم

الواوُ في فَواتِحِ السُّوَرِ واوُ قَسَم، لا واوُ عَطف، وحَرفُ القَسَمِ في العربيّةِ يَستَوقِفُ السامِعَ ويَجعَلُه مُنتَظِراً جَواباً سَيَلحَق، فإذا نُطِقَ بِـ«وَالشَّمسِ» التَفَتَ السامِعُ ليَسمَعَ ما يَأتي بَعدَ هذا الاستيقاف. والآيتانِ الأُولَيانِ من هذه السورةِ كِلتاهُما مُقسَمٌ بِه، وما يَأتي بَعدَهُما هو الجَوابُ المَطلوب.

ولذلك يَنبَغي أن لا تُقرَأ هذه الآيةُ مَفصولةً عمّا يَلي، فهي إلهامٌ بصورةٍ مُؤَجَّلَة، ومَن سَمِعَ «وَالضُّحى» عَلِمَ أنّ السياقَ يَستَدعي شُهوداً قَبلَ النُّطقِ بالحُكمِ، وأنّ الحُكمَ سَيَأتي مَوزوناً بِما شَهِد: فالضُّحى يَشهَد، واللَّيلُ يَشهَد، ثمّ يَأتي الجَواب: «مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ».

«الضُّحى»: ساعةُ الانكِشاف، لا مُجَرَّدُ النُّور

والعربيّةُ تَملِكُ ألفاظاً كَثيرةً للضوء: الفَجر، والصُّبح، والإشراق، والظَّهيرة، والنور، والإصباح، وكلٌّ منها يَنزِلُ على لحظةٍ مُعَيَّنة، فالفَجرُ شَقُّ الظَّلامِ بِخَيطٍ أَبيَض، والصُّبحُ ابتِداءُ الضَّوءِ في الأُفُق، والظَّهيرةُ استِواءُ الشَّمسِ في كَبِدِ السماء. وأمّا الضُّحى فَهو الوَقتُ الذي تَستَقِرُّ فيه الأشياءُ في صورَتِها بَعدَ أن كانَت لا تُرى، وهو ساعةٌ هادِئَةٌ يَتَنَفَّسُ فيها الإنسانُ بَعدَ كَدَرِ اللَّيلِ، ولم تُحرِقهُ الشَّمسُ بَعد.

والجذرُ ض-ح-و يَتَفَرَّعُ على هذا المِحوَر: فـ«ضَحا» الشيءُ بَرَزَ وانكَشَف، و«أَضحَى» دَخَلَ في وَقتِ الضُّحى، و«الأُضحِيَة» ما يُذبَحُ في هذا الوَقتِ مِن السَّنةِ المُعَيَّنة، وكلُّها صُوَرٌ تَدورُ على البُروزِ في الوَضَح، أي أن يَخرُجَ الشيءُ من خَفائِه إلى مَوضِعٍ يَراهُ فيه كلُّ ناظِر. والضُّحى بهذا المعنى لحظةُ شَهادةِ الكَونِ على نَفسِه، فالأشياءُ فيه كما هي، لا كما تَراها العَينُ في غَفلَةٍ أو ظَلام.

وللإصغاءِ إلى هذا الجِذرِ بُعدٌ آخر، فالهَيكَلُ الصَّوتيُّ ض-ح يَنبَعِثُ من أَعمَقِ الفَمِ في حَرارَةٍ مُحتَواة، وهي الحَرارَةُ نَفسُها التي يَحمِلُها الجِذرُ في معناه: ضوءٌ يَستَوي ودِفءٌ يَنبَسِط، ومَن نَطَقَ «الضُّحى» شَعَرَ بِالكَلِمَةِ تَخرُجُ كَنَفَسٍ دافِئٍ، كَأَنَّ اللسانَ نَفسَه يُنتِجُ الضَّوءَ الذي يُسَمّيه.

القَسَمُ بالضوءِ مُقَدِّمَةٌ لإثباتِ الحُضور

وتَفتَتِحُ السورةُ بِضوءٍ، ثُمَّ تَأتي في الآيةِ الثالِثةِ بِنَفيٍ مُحَدَّد: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ، والنَّفيُ يَستَدعي مَخاوِفَ كانَ يُمكِنُ أن تَخطُرَ بِالقَلب: قَد يَكونُ أَهمَلَك، قَد يَكونُ أَعرَضَ عَنك. والقَسَمُ بالضُّحى يَأتي قَبلَ النَّفيِ ليَضَعَ القارئَ في مَوضِعِ مَن يَنظُرُ إلى ضوءٍ ساطِع، فهذه الكَلِماتُ تُقالُ في وَضَح، لا في عَتمَة.

وكَأنَّ الكَونَ نَفسَه يُستَشهَدُ على أنّ الإله الذي خَلَقَ الضُّحى لا يَختَفي عَن مَخلوقِه فجأَة، وأنّ الذي رَفَعَ الشَّمسَ في وَقتِها لا يُسحَبُ من وَقتِ مَخلوقِه. والقارئُ الذي يَخافُ في صَدرِه أن يَكونَ مَنسيّاً يُؤخَذُ بِيَدِه إلى ساعةِ الانكِشاف، ويُقالُ لَه إنَّ الضَّوءَ في مَوضِعِه، وإنَّ الذي وَضَعَه هُناكَ لم يَترُكْ مَوضِعَه هو.


حَصيلة

كَلِمَتانِ فقط: حَرفُ قَسَمٍ ومُقسَمٌ به. والجِذرُ ض-ح-و انكِشافٌ دافِئٌ يَستَوي على ما حَولَه، والضُّحى ساعةُ بُروزِ الأشياءِ في صورَتِها بَعدَ خَفاءِ اللَّيل، وهي اللَّحظَةُ التي تَستَقِرُّ فيها الأشياءُ في صورَتِها، دونَ الفَجرِ المُتَرَدِّد والظَّهيرَةِ القاسية. والقَسَمُ بالضُّحى يَضَعُ القارئَ في مَوضِعِ مَن يَنظُرُ إلى ضَوءٍ ساطِع، قَبلَ أن يُسمَعَ الجَوابُ الآتي في الآيةِ الثالثَة، فالكَلِماتُ الكِبارُ ما جَرَت إلّا في وَضَح، لا في ظَلام.