الضحى · الآية 3

﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ

«ما وَدَّعَكَ»: نَفيُ كَلِمَةِ الفِراق

الجذرُ و-د-ع يَدورُ في الكَلامِ العَرَبيّ على التَّركِ والمُفارَقَة، ويُقالُ «ودَّعَ صاحِبَه» أَيْ تَرَكَه على وَجهِ الانفِصال، وقالَ له كَلِمَةً تَقَعُ بَين الباقي والذاهِب، ومنه «التَّوديع» المَرسومُ بَين السَّفَرِ والإقامَة، و«الوَداع» اسمُ الكَلِمَةِ التي تُقالُ في لحظةِ الفِراقِ الأَخير. ولذلك ضَعَّفَ القُرآنُ الفِعل: «وَدَّعَكَ»، لا «وَدَعَك»، والتَّضعيفُ يَزيدُ في صورةِ الانفِصال، ويُضيفُ إليها قَصداً ومَراسيم.

والآيةُ تَنفي هذا كلَّه، فلم يَتَلَفَّظْ بِكَلِمَةِ الوَداع، ولم يَرسُمْ مَراسيمَ الفِراق، ولم يَضَعْ بَينَ المُخاطَبِ وبَينه فاصِلاً يَنقَطِعُ بَعدَه السَّبيل. والفَترَةُ التي يَشعُرُ فيها الإنسانُ بِالسُّكوتِ صَمتٌ في إطارِ مُلازَمَة، لا فِراق، كَما يَسكُتُ الأَبُ ساعةً عن طِفلِه وهو في البَيتِ نَفسِه، فَيَظُنُّ الطِّفلُ أنّه قد ذَهَب، وما ذَهَب.

«رَبُّكَ»: الذي يُلازِمُ نُموَّك، لا الذي يَملِكُ مِن بَعيد

والاختيارُ هنا دَقيق، فلو جاءَ «ما وَدَّعَكَ اللهُ» لَكانَ النَّفيُ على الذاتِ المُتَعالِيَة، ولو جاءَ «ما وَدَّعَكَ مَولاك» لَكانَ على المالِك، وأوثِرَ عَلَيهِما «رَبُّك»، بإضافَةِ الكافِ إلى المُخاطَب. والرَّبُّ في الجِذرِ ر-ب-ب هو المُلازِمُ في النُّمُوّ، الذي يَأخُذُ المَربوبَ من بَذرَتِه إلى تَمامِه، وضِعفُ الباءِ في الجِذرِ تَشديدٌ لِلتَّمَسُّكِ والاتّصال، أي جَريانٌ يَلتَصِقُ ويَدوم.

وحين يُقال إنّ الرَّبَّ لا يُوَدِّعُ مَن رَبَّى، فإنّ السورةَ تَستَدعي بِنيَةَ الكَلِمَةِ نَفسَها، فالتَّوديعُ مُغايِرٌ لِبِنيَةِ الرَّبّ، والرَّبُّ مُلازِمٌ بِجِذرِه، والتَّوديعُ مُفارَقَةٌ بِجِذرِه. فالنَّفيُ هنا نَفيٌ ذو سَنَدٍ في الجِذرِ نَفسِه، لا نَفيٌ عَرَضيٌّ يُمكِنُ أن يَتَبَدَّل.

والقارئُ يَنتَفِعُ بِهذا الاختيار، فكلُّ مَن قَرَأَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في فاتِحَةِ الكتابِ عَرَفَ مَن هو هذا الرَّبّ، والاسمُ نَفسُه يَعودُ هنا ليَقولَ للقارئ إنّ الذي رَبَّى العالَمين كلَّها لا يُوَدِّعُه هو في زاوِيَةٍ مِن زواياه.

«وَما قَلى»: الفاعِلُ المَحذوفُ يَحفَظُ الأَدَب

و«قَلى» في اللسانِ بَغُضَ ونَفَر، وفي كَلامِ العَرَب «قَلَيتُ فُلاناً» إذا كَرِهتَه ونَفَرتَ مِنه نَفرَةَ المُحرِق. وأَصلُ الجِذرِ ق-ل-ي يَدورُ على إحراقٍ بِجَفاف، فما يُقلى في المِقلاةِ يُجَفَّفُ بِالنارِ على غَير ماء. والقَلى بهذا التَّصَوُّرِ كُرهٌ يَنزِلُ على المَكروهِ كَنُزولِ الجَفافِ على ما يُقلى، زيادةً على أصلِ الكُره، فهو حَرارَةُ النَّفرَةِ التي تُحرِقُ بَلَّةَ القُربِ.

والآيةُ تَنفيها، غَيرَ أنّها تَنفيها بِبَلاغَةٍ خاصَّة، فتَحذِفُ الفاعِلَ والمَفعول، وعُدِلَ فيها عن «وما قَلاك رَبُّك» إلى الفِعلِ مُجَرَّداً، كَأَنَّ السورةَ تَتَجَنَّبُ أن تَجمَعَ بَين اسمِ الرَّبِّ وفِعلِ القَلى ولَو في النَّفي، فلا يَقَعُ القَلى مِنه ولَو على وَجهِ الذِّكرِ المَنفيّ. وهذا أَدَبٌ بَلاغيٌّ في الكَلامِ يَدُلُّ على عُمقِ النَّفي، فالقَلى ما حَدَثَ، ولا يَكادُ يُقالُ.

والإنسانُ الذي يَخافُ في باطِنه أنّه قد صارَ مَكروهاً يُؤخَذُ هنا إلى مَوضِعَين: ظاهِرٍ وباطِن، فأمّا الظاهِرُ فما رُسِمَ بَينَه وبَينَ رَبِّه فِراقٌ، وأمّا الباطِنُ فما تَحَوَّلَ عَنه بَغضاً. فالفَترَةُ في حياتِه إذَن صَمتٌ في حَضرَة، وسُكوتٌ في حَضنٍ مُلازِم، وليست فِراقاً ولا تَحَوُّلاً.


حَصيلة

هاتانِ الكَلِمَتانِ هُما جَوابُ القَسَمِ كلِّه، والجَوابُ نَفيٌ مُكَرَّر: «ما وَدَّعَك» «ما قَلى»، والإثباتُ يَأتي عن طَريقِ النَّفي. والجِذرُ و-د-ع كَلِمَةُ الانفِصالِ الأَخيرَة، والجِذرُ ق-ل-ي البُغضُ والنُّفورُ في الباطِن، والفِعلانِ يَتَكامَلان: لا انفِصالٌ في الظاهِر ولا تَحَوُّلٌ في الباطِن. واختارَتِ السورةُ «رَبُّك» دونَ «اللهُ»، فمَن يَتَعَهَّدُ المَربوبَ من بَذرَتِه إلى تَمامِه لا يُوَدِّعُه في فَترَةٍ من فَتَراتِه.