البقرة · الآية 107
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
أَلَمْ تَعْلَمْ: تَكرارُ الاستِفهامِ لاستِتمامِ حُجَّةِ ما قَبلَها
الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبلَها اتِّصالَ الحُجَّةِ بِالحُجَّة. ما تَقَدَّمَ أسَّسَ أنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قَدير، وهذِهِ تُعَقِّبُ بِأنَّ المُلكَ كُلَّه لَه. والاستِفهامُ بِـ«ألَم» إقرارٌ لا سُؤال: المُخاطَبُ يَعلَمُ، والآيَةُ تَستَخرِجُ مِنه الإقرارَ لِتُلزِمَهُ بِنَتيجَتِه. وحينَ يَثبُتُ أنَّ المُلكَ مَحصورٌ في يَدٍ واحِدَة، سَقَطَ كُلُّ تَنازُعٍ على حَقِّ النَّسخِ والتَّحويل، وسَقَطَ كُلُّ ادِّعاءٍ بِأنَّ جِهَةً ما مِن أهلِ الكِتابِ تَملِكُ الاعتِراضَ على تَبديلِ الصيغَة.
جذر (م ل ك): حِيازَةٌ تُقَرِّرُ السُّنَنَ لا مُجَرَّدُ تَمَلُّك
(م ل ك) في اللِّسانِ حِيازَةٌ شَديدَةُ الإمساك، ومِنها المِلاكُ لِما يُمسَكُ بِه الأمر. والمُلكُ في القُرآنِ ليس مَعنى اقتِصاديّاً بَل سُلطَةٌ تَقريريَّةٌ تَجري بِها السُّنَن. فمُلكُ السَّماواتِ والأرضِ يَعني أنَّ المَصدَرَ الذي يُشَرِّعُ هُو نَفسُه المَصدَرُ الذي يُشَغِّلُ الكَون، ولا انفِصالَ بَينَ التَّشريعِ والتَّقدير. مَن أرادَ أن يُثَبِّتَ حُكماً ضِدَّ تَحويلِ المالِكِ لَه، إنَّما يَتَنازَعُ مَعَ مالِكِ السَّماواتِ والأرض، وهذا نِزاعٌ لا مَوقِعَ له.
جذر (و ل ي): وَلايَةٌ قُربٌ يَلي الأمرَ ويَرعاه
(و ل ي) يَدورُ على قُربٍ مُتَّصِلٍ يَتعَقَّبُ الأمرَ ويَليه. الوَليُّ هُو القَريبُ الذي يَلي شُؤونَكَ فيَرعاها لا يَترُكُها لِغَيره. ونَفيُ الوَليِّ عَن «دُونِ الله» ليس تَهديداً بَل تَقريرٌ بِنيَويّ: مَن وَراءَ المُلكِ لا يُوجَدُ مَن يَلي أمرَكَ ويَرعاه حَقّاً، لِأنَّ الوَلايَةَ الحَقَّةَ تَحتاجُ إلى سُلطَةٍ تَقريريَّةٍ تَملِكُ التَّحويلَ والتَّصريف، وهذِهِ لا تَكونُ إلا لِمالِكِ السُّنَن. كُلُّ وَلاءٍ يُصرَفُ لِغَيرِه وُضِعَ في غَيرِ مَوضِعِه.
جذر (ن ص ر): نُصرَةٌ وُقوفٌ عِندَ الحاجَةِ لا كَلامُ مُواساة
(ن ص ر) نَفاذٌ صُلبٌ يَسترسِلُ عِندَ الحاجَة. النَّصيرُ لَيس الذي يُحِبُّكَ بَل الذي يَقِفُ مَعَكَ حينَ تَضعُف. ولا يَستَطيعُ أن يَنصُرَ إلا مَن يَملِكُ مَواضِعَ القُوَّةِ في الكَون، أي مَن بِيَدِه مَقاليدُ الأسبابِ والنَّتائِج. فنَفيُ النَّصيرِ عَن «دُونِ الله» يَلزَمُ مِن نَفيِ المُلكِ عَنه: لا يَنصُرُكَ مَن لا يَملِكُ أسبابَ النَّصر. والآيَةُ تَنقُلُ الخِطابَ مِنَ النَّظَرِ في المُلكِ إلى الفِعلِ في الوَلاء.
التَّلازُم: القَديرُ في 106 مُلكُه في 107 ثُمَّ الوَلاءُ في الخِتام
الآيَتانِ تَعمَلانِ مَعاً في نَسَقٍ واحِد: القَديرُ يَملِكُ النَّسخ، ومالِكُ المُلكِ يَملِكُ التَّشريع، ومَن يَملِكُ الاثنَينِ يَستَحِقُّ الوَلاءَ وحدَه. الحُجَّةُ تَتَدَرَّجُ مِن قُدرَةٍ على التَّحويلِ إلى سُلطَةٍ على السُّنَن إلى نَتيجَةٍ في الوَلاء. ومَن أرادَ أن يُرَدَّ على اعتِراضاتِ أهلِ الكِتابِ على النَّسخِ والتَّحويل، فَسَبيلُه هذا التَّسَلسُل: قُدرَةٌ، فمُلك، فاستِحقاقُ وَلاء.
فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: المُلكُ سُلطَةٌ تَقريريَّةٌ على السُّنَن، والوَلايَةُ قُربٌ يَلي الأمرَ بِسُلطَة، والنَّصيرُ مَن يَملِكُ مَواضِعَ القُوَّةِ لا مَن يَملِكُ كَلامَ المُواساة.
حَصيلة
حينَ ثَبَتَ في الآيةِ السابِقةِ أنَّ اللهَ على كُلِّ شيءٍ قَديرٌ مِن جذرِ ق-د-ر، جاءَت هذِهِ الآيةُ تُكمِلُ الحُجَّةَ بِتَقريرِ المُلكِ مِن جذرِ م-ل-ك، وهو في أصلِ اللِّسانِ حِيازَةٌ شَديدةُ الإمساكِ وسُلطَةٌ تَقريريَّةٌ تَجري بِها السُّنَن. فمَن يَملِكُ السَّماواتِ والأرضَ يَملِكُ بِالضَّرورَةِ حَقَّ التَّحويلِ والنَّسخِ، ويَسقُطُ كُلُّ اعتِراضٍ على تَبديلِ الصيغَة. ثُمَّ تَنزِلُ الآيةُ إلى نَتيجَةٍ في الوَلاءِ العَمَليّ: الوَلِيُّ مِن جذرِ و-ل-ي هُو القَريبُ الذي يَلي شُؤونَكَ ويَرعاها بِسُلطَةٍ حَقيقيَّة، لا بِقُربٍ عاطِفيٍّ فارِغ. والنَّصيرُ مِن جذرِ ن-ص-ر هُو مَن يَملِكُ مَواضِعَ القُوَّةِ في الكَونِ فَيَقِفُ مَعَكَ حينَ تَضعُف. ونَفيُ الوَلِيِّ والنَّصيرِ عَن «دُونِ الله» ليسَ تَهديداً بَل تَقريرٌ بُنيَويّ: مَن لا يَملِكُ أسبابَ النَّصرِ لا يَستَطيعُ أن يَنصُرَ، ومَن لا يَملِكُ سُلطَةَ التَّصريفِ لا يَستَطيعُ أن يَلي. وبِهذا تَنقُلُ الآيةُ سُؤالَ العَقيدةِ مِنَ النَّظَرِ إلى الفِعل: لَيسَ «أتَؤمِنُ بِاللهِ مالِكاً؟» بَل «إلى مَن تَصرِفُ وَلاءَك؟» وكُلُّ وَلاءٍ يُصرَفُ لِغَيرِه وُضِعَ في غَيرِ مَوضِعِه.