البقرة · الآية 108

﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ ۗ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ ۗ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ

جذر (س أ ل): طَلَبٌ نافِذٌ يَتَعَلَّقُ بِالمَسؤول

وأصلُ (س أ ل) في اللِّسانِ طَلَبٌ يَسري بِدِقّةٍ مُؤَكَّدةٍ إلى المَسؤولِ فيَتَعَلَّقُ بِه، وهو أسلوبٌ حِيادِيّ، قد يُطلَبُ بِه عِلم، وقد يُطلَبُ بِه تَعجيز، والآيةُ تَستَخرِجُ فَرقاً بَينَ السُّؤالَين. والسِّياقُ نَفسُه يُقَيِّدُ المُرادَ: السُّؤالُ المَقصودُ سُؤالُ اشتِراطٍ مُتَجَدِّدٍ لا سُؤالُ عِلم. والعَيبُ في دَورِ السُّؤال، والسُّؤالُ نَفسُه غَيرُ مَعيب: إذا صارَ حاجِباً يَضَعُه السّائِلُ بَينَه وبَينَ التَّسليمِ لِما تَبَيَّنَ لَه فقدِ انقَلَبَ من طَلَبِ عِلمٍ إلى مُماطَلة.

«أَمْ تُريدون»: نَقلُ الاعتِراضِ مِن شُبهَةٍ إلى نِيَّة

و«أم» المُنقَطِعةُ تُخرِجُ الخِطابَ من مَجالِ الاستِفهامِ المُجَرَّدِ إلى مَجالِ الكَشفِ عنِ النِّيّة. فالآيةُ تَكشِفُ أنَّ ما يَفعَلونَه الآنَ إرادةٌ داخِلِيّةٌ لا يَعتَرِفونَ بِها، هي إرادةُ تَكرارِ نَمَطِ الاشتِراطاتِ الموسَوِيّ، ولا تَسألُهُم عن مَعلومة. والفِعلُ «تُريدون» مَقصود، فهو يُحَرِّكُ المُحاسَبةَ إلى المُراد، لا إلى المَقول، وحينَ يَنكَشِفُ المُرادُ يَسقُطُ تَبريرُ السُّؤالِ بِدَعوى طَلَبِ العِلم.

جذر (ب د ل): استِبدالُ مَوقِعٍ لا مُبادَلَةُ أشياء

ومَدارُ (ب د ل) على وَضعِ شَيءٍ مَحَلَّ شَيء. و«يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ» صيغةٌ تُقَدِّمُ المُستَبدَلَ بِه على المُستَبدَلِ مِنه، فجَعَلَتِ الكُفرَ هو الأخذَ والإيمانَ هو التَّرك. وهذا قَلبٌ لِلمَنطِقِ التِّجارِيِّ العَقلِيّ، إذ لا يَعقِلُ أحَدٌ أن يَأخُذَ الأدنى ويَترُكَ الأعلى، فكَشَفَتِ الصّيغةُ عنِ الخَلَلِ في التَّقدير. ومَن يَسألُ الرَّسولَ أسئِلةَ التَّعجيزِ يَضَعُ الكُفرَ مَوضِعَ الإيمانِ بِصَفقةٍ لا تَستَقيم، ولا يَطلُبُ عِلماً.

جذر (ك ف ر) و(أ م ن): تَغطيَةٌ بَدَلَ إعطاءِ أمان

و(ك ف ر) تَغطِيةٌ تَحجُبُ ما ثَبَت، و(أ م ن) إعطاءُ أمانٍ لِما ثَبَت. فالمُقابَلةُ في الآيةِ بَينَ مَوقِفَين، وليسَت بَينَ مَعصِيةٍ وطاعة: مَوقِفٌ يَمنَحُ المَصدَرَ الأمانَ ويَستَقبِلُ بَيِّناتِه على أنَّها ثابِتة، ومَوقِفٌ يُغَطّي البَيِّناتِ المَبذولةَ ويَطلُبُ غَيرَها. والسّائِلُ المُماطِلُ يَقومُ بِعَمَلِ التَّغطِية: يَحجُبُ ما تَبَيَّنَ لَه بِسُؤالٍ جَديد، والسُّؤالُ عِندَه آلةُ كُفرٍ لا آلةُ عِلم.

«ضَلَّ سَواءَ السَّبيل»: انحِرافٌ عَن وَسَطِ الطَّريقِ لا ضَياعٌ في الصَّحراء

و«سَواءَ السَّبيل» وَسَطُ الطَّريقِ المُستَقيم، لا طَرَفاه. والعِبارةُ دَقيقة: عُدِلَ فيها عن «ضَلَّ عنِ السَّبيل» إلى «ضَلَّ سَواءَ السَّبيل»، أي خَرَجَ عنِ استِواءِ الطَّريقِ دونَ الطَّريقِ كُلِّه. فهذا المُماطِلُ لا يَزالُ على ظاهِرِ المِلّة، لكِنَّه مالَ عن وَسَطِها إلى طَرَفِ الاشتِراطِ الذي يَسألُ فيه بَدَلَ أن يَمتَثِل. والهِدايةُ على السَّواءِ لا على الطَّرَف، فمَنِ التَحَقَ بِطَرَفٍ سَقَطَ عَنه وَصفُ السَّواء.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: السُّؤالُ دَورٌ يَنقَلِبُ بِالنِّيّةِ من طَلَبِ عِلمٍ إلى مُماطَلة، والإيمانُ إعطاءُ أمانٍ لِلبَيِّنةِ المَبذولة، والضَّلالُ هُنا انزِياحٌ عن وَسَطِ الطَّريقِ لا خُروجٌ مِنه.


حَصيلة

«أم» المُنقَطِعةُ في صَدرِ الآيةِ تُحَرِّكُ الخِطابَ من مَجالِ الاستِفهامِ إلى مَجالِ كَشفِ النِّيّة، والفِعلُ «تُريدون» يُشيرُ إلى إرادةٍ داخِلِيّةٍ لا يَعتَرِفُ بِها أصحابُها. وما يُريدونَه في الحَقيقةِ هو تَكرارُ نَمَطِ الاشتِراطاتِ الذي وَصَفَته الآيةُ بِقَولِها «كَما سُئِلَ موسى مِن قَبلُ»، وهو سُؤالُ اشتِراطٍ لا سُؤالُ عِلم. ولا عَيبَ في السُّؤالِ في حَدِّ ذاتِه، والعَيبُ في دَورِه حينَ يَصيرُ حاجِباً بَينَ السّائِلِ وبَينَ التَّسليمِ لِما تَبَيَّنَ لَه. وهُنا يَنكَشِفُ الخَلَلُ الأكبَرُ بِصيغةٍ دَقيقة: «يَتَبَدَّلِ الكُفرَ بالإيمانِ» من جذرَي ك-ف-ر و أ-م-ن، وهي صيغةٌ تَضَعُ الكُفرَ مَوضِعَ الأخذِ والإيمانَ مَوضِعَ التَّرك، أي يَأخُذُ التَّغطِيةَ ويَترُكُ إعطاءَ الأمان، وهذا تَبادُلٌ يُنبِئُ بِخَلَلٍ في التَّقديرِ لا في الفَهم. ثُمَّ تُقَيِّدُ الآيةُ مَآلَ هذا الفِعلِ بِعِبارةٍ تُفَرِّقُ بَينَ الخُروجِ منَ الطَّريقِ والخُروجِ عن وَسَطِه: فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، أي انزاحَ عنِ استِواءِ الطَّريقِ وصارَ إلى طَرَفِه، وظاهِرُه لا يَزالُ على المِلّة، غَيرَ أنَّه تَزَحزَحَ عن وَسَطِه. والهِدايةُ في الاستِواءِ لا في الطَّرَف.