البقرة · الآية 136

﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ

قُولُوا مُقابِلَ وَقَالُوا: الأَمرُ يَقلِبُ الدَّعوة

وقد سَبَقَت في الآيةِ السّابِقةِ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ بِصيغةِ الإخبارِ عن دَعوَتِهِم، ثُمَّ جاءَ الجَوابُ هُنا بِصيغةِ الأمرِ قُولُوا دونَ صيغةِ الإخبار. وفي هذا الفَرقِ مَفصِلٌ بَلاغِيّ: «قَالُوا» تُخبِرُ عن قَولٍ صَدَرَ مِنهُم، فيُقابَلُ بـ«قُولُوا» التي تَطلُبُ مِنكُم قَولاً جَديداً يَنسَخُ القَولَ السّابِق. وهُم سَمَّوا أنفُسَهُم بِاسمٍ ودَعَوا إلَيه، وأنتُم لا تُسَمَّونَ بِاسمٍ ولا تُدعَونَ إلى اسم: تُؤمَرونَ بِأن تَنطِقوا بِالمَوقِفِ من السِّلسِلةِ كُلِّها. والجَوابُ مَوقِفٌ مَنطوقٌ يَفضَحُ ضيقَ المَوقِفِ المُقابِل، وليسَ تَسمِيةً مُقابِلة.

(أ م ن): «آمَنَّا» صيغَةُ الجَمعِ تُعطي الأمانَ لِلسِّلسِلَةِ كُلِّها

والجَذرُ (أ م ن) نَواتُه (أ م)، وهي اشتِدادٌ يَتَجَمَّع، ثُمَّ (ن)، وهي نُفوذٌ مُكتَنِز، فالإيمانُ في أصلِه إعطاءُ الأمانِ من العُمقِ لِما يُؤمَنُ بِه، وثَباتٌ نافِذٌ يَستَقِرُّ في القَلب. وصيغةُ الجَمعِ آمَنَّا هُنا مَقصودة، والمُرادُ بِها إعلانٌ جَماعِيٌّ يُعطي الأمانَ لِكُلِّ ما نَزَلَ من المَصدَرِ الواحِدِ دُفعةً واحِدة، وليسَ إيماناً فَردِيّاً يَختارُ المَرءُ مِنه ما يَشاء. وآمَنَّا بِاللَّهِ هي البِداية، وكُلُّ ما يَلي عَطفٌ على ما آمَنّا بِه، والإيمانُ بِاللهِ يَستَلزِمُ الإيمانَ بِكُلِّ ما أخرَجَه إلى الشَّهادة.

(س ب ط): الأَسباطُ تَفَرُّعٌ من الأَصلِ الواحِد

والجَذرُ (س ب ط) نَواتُه (س ب)، وهي سُيولةٌ تَنبَسِط، ثُمَّ (ط)، وهي تَطَرُّفٌ يَنفَتِح. والسِّبطُ في أصلِ اللُّغةِ الفَرعُ الذي يَخرُجُ من الشَّجَرةِ مُنبَسِطاً مُمتَدّاً، ومِنه السِّبطُ بِمَعنى الحَفيدِ المُتَفَرِّعِ من الجَدّ. والأسباطُ هُنا التَّفَرُّعاتُ التي خَرَجَت من يَعقوبَ امتِداداً لِلسِّلسِلة، وذِكرُهُم في السِّياقِ مَقصود، ومَعناه أنّ سِلسِلةَ النُّبُوّةِ تَمتَدُّ إلى التَّفَرُّعاتِ التي حَمَلَتِ الرِّسالةَ بَعدَهُم، ولا تَنحَصِرُ في الأسماءِ الكَبيرة. والمَوقِفُ المَطلوبُ يَشمَلُ هذه التَّفَرُّعاتِ كُلَّها، ولا يَقِفُ عِندَ الأسماءِ الجَذرِيّةِ وَحدَها.

(ن ز ل) و(أ ت ي): الإنزالُ إخراجٌ من الغَيب، الإيتاءُ تَوصيلٌ أَوسَع

والآيةُ تُقَسِّمُ الأنبياءَ إلى مَجموعَتَينِ بِفِعلَينِ مُختَلِفَين: وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ بِفِعلِ (ن ز ل)، ووَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ بِفِعلِ (أ ت ي)، والفَرقُ بَينَهُما غَيرُ لَفظِيّ. والإنزالُ (ن ز ل) نَواةُ جِذرِه (ن ز)، وهي نُفوذٌ مُكتَنِز، ثُمَّ (ل)، وهي تَعَلُّقٌ يَتَّصِل، فهو إخراجُ شَيءٍ من الغَيبِ إلى الشَّهادةِ نُزولاً مُتَّصِلاً، وغالِباً ما يَقتَرِنُ بِما لم يَكُن في الأرضِ ثُمَّ صارَ فيها (الكِتاب، الماء، الحَديد). وأمّا الإيتاءُ (أ ت ي) فنَواتُه (أ ت)، وهي اقتِرابٌ يَحدُث، ثُمَّ (ي)، وهي تَواصُلٌ يَتَفَرَّع، فهو تَوصيلٌ أوسَعُ يَشمَلُ الكِتابَ والمُعجِزةَ والإلهامَ والقُدرة. ولِذلك يَستَوعِبُ الإيتاءُ ما حَمَلَه موسى وعيسى من آياتٍ بَصَرِيّةٍ ومُعجِزاتٍ مَلموسة، فَوقَ مُجَرَّدِ الكِتابِ المُنَزَّل. والآيةُ تَجمَعُ الفِعلَينِ لِتُؤَكِّدَ أنّ الإيمانَ المَطلوبَ يَستَوعِبُ الوَحيَ بِكُلِّ صُوَرِه، ما نَزَلَ مِنه وما أوتِي.

(ف ر ق): لَا نُفَرِّقُ نَفيُ الفِعل، ثُمَّ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ جَوابٌ بِالحال

والجَذرُ (ف ر ق) نَواتُه (ف ر)، وهي تَفَرُّقٌ يَستَرسِل، ثُمَّ (ق)، وهي قُوّةٌ في عُمق، فالتَّفريقُ حَرفِيّاً فَصلٌ مُستَرسِلٌ يَنفُذُ في العُمق. وصيغةُ التَّفعيلِ نُفَرِّقُ تَدُلُّ على إحداثِ هذا الفَصلِ بِفِعلٍ مُتَعَمَّد. ونَفيُ الفِعلِ في لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ نَفيٌ لِلمُمارَسة، ولا يَقِفُ عِندَ نَفيِ التَّفضيل: لا نَقومُ بِفَصلِ بَعضِهِم عن بَعض، ولا نَختارُ مَن نُؤمِنُ بِه ونُسقِطُ مَن نَدَعُه، والسِّلسِلةُ تُؤخَذُ وَحدةً لأنّ مَصدَرَها واحِد. ثُمَّ يَختِمُ بِالحالِ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ بِجُملةٍ اسمِيّةٍ دونَ الفِعلِيّة، والتَّسليمُ فيها حالٌ ثابِتةٌ مُلازِمة، وليسَ حَدَثاً يَجري. وتَقَدَّمَ الضَّميرُ لَهُ لأنّ التَّسليمَ مُختَصٌّ بِجِهةٍ واحِدةٍ دونَ غَيرِها. فالجَوابُ على دَعوَتِهِم لِلتَّسَمّي بِاسمٍ هو إعلانُ حالٍ تَسبِقُ كُلَّ تَسمِية.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «المُسلِمُ» في الآيةِ حالُ مَن أعطى الأمانَ لِلسِّلسِلةِ كُلِّها وأبى أن يُمارِسَ التَّفريق، فصارَ مُسلِماً قَبلَ أن يَكونَ مُتَسَمِّياً، وليسَ اسمَ طائِفةٍ مُقابِلَ اليَهودِ والنَّصارى.


حَصيلة

يُقابِلُ «قُولُوا»، وهو الأمرُ الجَديد، «وَقَالُوا»، وهو الخَبَرُ عن دَعوَتِهِم: هُم دَعَوا إلى اسم، وأنتُم تُؤمَرونَ بِأن تُعلِنوا مَوقِفاً. والمَوقِفُ يَبدَأُ بِجِذرِ (أ-م-ن)، ومَعناه إعطاءُ الأمانِ من العُمق، ولا يَقِفُ عِندَ الإعلان، وصيغةُ الجَمعِ «آمَنّا» تُعطي الأمانَ لِلسِّلسِلةِ كُلِّها دُفعةً واحِدة. ثُمَّ يَتَوَزَّعُ الإيمانُ على سِلسِلةٍ كامِلة: «ما أُنزِل» بِجِذرِ (ن-ز-ل) لِأنبياءِ السِّياقِ الأوَّل، و«ما أوتي» بِجِذرِ (أ-ت-ي) لِموسى وعيسى والنَّبِيّين، إذ الإيتاءُ أوسَعُ يَشمَلُ الكِتابَ والآياتِ والقُدرة. ويَدخُلُ الأسباطُ في التَّعدادِ لأنّ السِّلسِلةَ لا تَنحَصِرُ في الأسماءِ الكُبرى. ثُمَّ يَختِمُ نَفيُ التَّفريقِ بِجِذرِ (ف-ر-ق) بِأنّ السِّلسِلةَ تُؤخَذُ وَحدةً لا تَقبَلُ الاختِيار، وتَختِمُ الجُملةُ الاسمِيّةُ «وَنَحْنُ لَهُ مُسلِمون» بِحالٍ مُستَمِرّةٍ مُختَصّةٍ بِجِهةٍ واحِدة، و«مُسلِمٌ» هُنا وَصفٌ لِحالٍ لا عَلَمُ طائِفة.