البقرة · الآية 181

﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

الفاء التفريعيّة + «مَن» الموصولة الشرطيّة + تفعيل (ب د ل) للتكلّف + ضمير الهاء العائد على الوصيّة

والفاءُ في «فَمَن» تُفرِّعُ الحُكمَ الجديدَ على الحُكمِ الذي سَبَقَ (وُجوبُ الوصيّةِ حَقّاً على المُتّقين)، فتَنتقِلُ الآيةُ مِن إلزامِ المُوصي إلى حِمايَتِه. و«مَن» هُنا موصولةٌ تَحمِلُ معنى الشَّرط، أي أنَّ كُلَّ مَن وَقَعَ في الفِعلِ دَخَلَ تحتَ الحُكم. ونُواةُ (ب د) تُفيدُ المُعاوَضةَ واستِبدالَ شيءٍ بآخر، وحرفُ اللَّامِ يُوصِلُ إلى الطَّرفِ البَديل، وصيغةُ التَّفعيل «بدَّل» تُضاعِفُ العَينَ، وهي مُضاعَفةٌ تَقتضي تَكلُّفاً وتَعَمُّداً. فالمُبدِّلُ مَن أعادَ تَشكيلَ الوصيّةِ عن قصد، وليس مَن أخطأَ في إبلاغِها عن ذُهول. وضميرُ الهاءِ في «بدَّلَه» عائدٌ على الحُكمِ الإيصائيِّ المَذكورِ في الآيةِ السَّابقة، لا على المُوصي ولا على المُوصى إليه.

«بعد ما سمعه»: ظرفيّة «بعد» + «ما» المصدريّة + (س م ع) تلقّي القصد

وظرفُ «بعد» يَضَعُ الفِعلَ في زمنٍ لاحقٍ لِحَدَثٍ قد تَمَّ، و«ما» مَصدَريّةٌ، أي «بعدَ سَماعِه». ونُواةُ (س م) انصبابٌ مُتّصلٌ في الأُذُن، وحرفُ العَينِ يَضُمُّ إليها استِقبالَ المعنى، فالسَّمعُ في الجَذرِ تَلَقِّي القَصدِ المُعلَنِ وانغِراسُه، وليس مَرورَ الصَّوتِ على الأُذُن. فإذا قيلَ «بعد ما سمعه» فالمُبدِّلُ قد صارَ القَصدُ عِندَه مَعلوماً مَحمولاً، ثُمَّ قامَ بتَغييرِه. وهذا القَيدُ يُخرِجُ الخَطأَ العابِرَ والنِّسيانَ مِن دائرةِ الحُكم، ويُدخِلُ فيها التَّعمُّدَ وحدَه.

«فإنّما إثمه على الذين يبدّلونه»: حصر «فإنّما» + (أ ث م) الحمل الثقيل + «على» للاستقرار + فعل مضارع للتجدّد

و«فإنّما» أداةُ حَصرٍ مُرَكّبةٌ مِن «إنّ» التَّوكيديّةِ و«ما» الكافّة، تُفيدُ قَصرَ الحُكمِ على طَرَفٍ واحد، وهي هُنا تَقصِرُ الإثمَ على المُبدِّلين وحدَهم، وتَرفعُه عن المُوصي. ونُواةُ (أ ث) ثِقَلٌ مُتراكِم، وحرفُ الميمِ يَختِمُ الاكتِناز، فالإثمُ في الجَذرِ حِملٌ يُقعِدُ صاحبَه، وليس وَصماً معنويّاً وحدَه. وحرفُ «على» يُفيدُ الاستِقرارَ الثَّقيل، ولا يَقِفُ عِندَ العَلاقةِ وحدَها، فالحِملُ ساكِنٌ فوقَ المُبدِّلِ كما يَسكُنُ الوِزرُ على الظَّهر. والفعلُ المُضارِعُ «يُبدِّلونَه» يُفيدُ التَّجدُّدَ والاستِمرارَ في المُمارَسة، والمَقصودُ به مُمارَسةٌ قائمةٌ يَتعاقَبُ عليها الجَمع، غَيرُ فِعلٍ ماضٍ مُنتهٍ.

«إنّ اللَّه سميع عليم»: خاتمة التوكيد + (س م ع) مناظر + (ع ل م) إحاطة + صيغة فَعيل للصفة المشبّهة

وخاتمةُ الآيةِ مُطابَقةٌ لَفظيّةٌ لِما جرى، وليست زيادةً تَعبُّديّة: الفِعلُ «سَمِعَه» ظَهَرَ في جَنبِ المُبدِّل، والصِّفةُ «سميعٌ» ظَهَرَت في جَنبِ اللَّه، فتَحقَّقَ التَّوازُن، وما وَعاهُ المُبدِّلُ قد سَمِعَه اللَّهُ كذلك وأتَمّ. وصيغةُ «فَعيل» في «سَميع» و«عَليم» صِفةٌ مُشبَّهةٌ تُفيدُ الثُّبوتَ والرُّسوخ، زيادةً على حُدوثِ الفِعلِ في وقتٍ ما. ونُواةُ (ع ل) إحاطةٌ عُليا، وحرفُ الميمِ يَختِمُ الاكتِناز، فالعِلمُ هُنا إحاطةٌ تُحيطُ بالقَصدِ الخَفيِّ لِلمُبدِّل، وليس اطِّلاعاً فحَسب. فإذا كان المُبدِّلُ يَظُنُّ أنَّ تَحريفَه يَخفى، فالصِّفةُ الإلَهيّةُ تُخبِرُه أنَّه لا يَخفى شيءٌ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة. والمُبَدِّلُ دَوْرٌ يَقعُ فيه كُلُّ مَن واصَلَ تَحريفَ قَصدِ المُوصي بعدَ أن صارَ القَصدُ مَسموعاً مَحمولاً في وِعاءِ السَّمع، وليس وَصفاً عابِراً يُطلَقُ على فاعِلٍ واحد.


حَصيلة

تَنبَثِقُ هذه الآيةُ من حُكمِ الوصيّةِ السَّابقِ لِتُعالِجَ حالَ التَّحريف بدَقّةٍ جَذريّة. وجَذرُ (ب-د-ل) في صيغةِ التَّفعيل يَحمِلُ تَعَمُّداً صَريحاً: المُبدِّلُ مَن أعادَ تَشكيلَ الوصيّةِ عن قَصد، غَيرُ مَن أخطأَ في الإبلاغ. وقَيدُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ يَختِمُ الباب، و(س-م-ع) في جَذرِه تَلَقٍّ يَنغَرِسُ، لا مَرورُ صَوتٍ على الأُذُن، فمَن سَمِعَ قد صارَ القَصدُ عِندَه مَعلوماً مَحمولاً. ومن هُنا يَتَراجَعُ حِملُ الإثمِ عن المُوصي ويَستَقِرُّ على المُبدِّل وحدَه بأداةِ الحَصرِ «فإنَّما»، ويَبقى (أ-ث-م) حِملاً ثَقيلاً يَسكُنُ على الظَّهرِ تَصويراً لـ«على». والفِعلُ المُضارِعُ «يُبدِّلونَه» يَكشِفُ أنَّ المقصودَ مُمارَسةٌ مُتواصِلة، ولَيسَ حادثةً واحدة. ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بخاتِمةٍ مُطابِقةٍ للفِعل: «سَمِعَه» في جانبِ المُبدِّلِ يُقابِلُها «سَميعٌ» في جانبِ اللَّه، وصيغةُ فَعيل تُثَبِّتُ الصِّفةَ رُسوخاً لا حُدوثاً، فما وَعاهُ المُبدِّلُ قد سَمِعَه اللَّهُ بإحاطةِ (ع-ل-م) التي تَطالُ القَصدَ الخَفيَّ. وبذلكَ تُغلِقُ الآيةُ المَنفَذَ الأَخيرَ للمُحرِّف: لا جَهلَ يَعذُرُه، ولا خَفاءَ يَحجُبُه.