البقرة · الآية 21

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ»: نِداءٌ عامٌّ قَبلَ أيِّ تَصنيف

النِّداءُ هُنا سابِقٌ على التَّصنيف، وقد عُدِلَ فيه عن «يا أيّها المؤمنون» وعن «يا أهلَ الكِتاب» إلى «يا أيّها الناس»، لأنّ المَقامَ مَقامُ دَعوةٍ إلى دَورٍ وُجوديٍّ سابِقٍ على كلِّ هُوِيّة. والناسُ من جذرِ (ن و س)، ومَعناه مَن يَتَحَرَّكُ ويَنتَقِل، ومنه «ناسَ الشيءُ» أي تَحَرَّكَ، فالنِّداءُ يُخاطِبُ الكائنَ المُتَحَرِّكَ قَبلَ أن تُعَيِّنَه المَذاهِبُ والهُويّات.

«اعْبُدُوا» (ع ب د): الثَّباتُ في دَورٍ مُتَّصِلٍ بالأصل

ومَعنى (ع ب د) في أصلِه لا يَقِفُ عِندَ الطَّاعةِ المَهيبة، والعَبدُ في العَرَبيّةِ مَن يَثبُتُ على دَورٍ مُعَيَّنٍ في علاقَةٍ مُستَمرّةٍ مع سَيِّد، ولذلك قيلَ «طَريقٌ مُعَبَّد» لِطَريقٍ استَقامَ بِمَشيِ الناسِ عَليه مرّةً بعد مَرّة حتّى صارَت له هُويّةٌ ثابِتة. فالعِبادةُ في جَوهرِها ثَباتٌ في دَورٍ يَتَّصِلُ بأصلِه بِلا انقِطاع، والدَّعوةُ الآن عامّةٌ إلى دَورٍ مُتَّصِلٍ لا يَنقَطِع.

«رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ» (ر ب ب، خ ل ق): التَّربيةُ بعدَ التَّكوين

والرَّبُّ من (ر ب ب)، ويَدُلُّ على مَن يَنقُلُ الشَّيءَ من حالٍ ناقِصٍ إلى حالٍ أكمَل، ومنه «رَبّى الصَّبيَّ» و«رَبا المالُ» أي نَما. وأمّا الخَلقُ في جذرِ (خ ل ق) فهو إنشاءُ الشَّيءِ على تَقديرٍ مَعلوم. والآيةُ تَربِطُ بَينَ اسمَين، الرَّبِّ والخالق: فهو الرَّبُّ لأنّه يُنَمّيكم الآن، والخالقُ لأنّه أنشأَكم بِتَقديرٍ سابِق. ثُمَّ امتَدَّ النَّسَبُ إلى «الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم»، أي أنّ الذي خَلَقَكُم هو ذاتُه الذي خَلَقَ أسلافَكم، فالخَلقُ فِعلٌ مُتَّصِلٌ عَبرَ الأجيال، غَيرُ خاصٍّ بِهذا الجيل. وهذا يَعني أنّ الثَّباتَ في الدَّورِ (العِبادة) اتِّصالٌ بسِلسِلةٍ سابِقة، وليسَ ابتِداعاً جَديداً.

«لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (و ق ي): الدُّخولُ في حِمايةٍ لا الخَوف

ومَدارُ (و ق ي) على وَضعِ حاجِزٍ حامٍ بَينَ الشَّيءِ وما يُهَدِّدُه، ومنه «اتّقى بِدِرعِه» أي جَعَلَ الدِّرعَ بَينَ جَسَدِه والسِّلاح. والتَّقوى دُخولٌ في حَصانةٍ تَحفَظُ صاحِبَها، وهي غَيرُ الخَوفِ المُرتَعِد، ولذلك جاءَ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ بِمَعنى: لِتَدخُلوا تَحتَ وِقاية، لا لِتَخافوا عَذاباً. و«لَعَلَّ» هُنا بِمَعنى «حَتَّى» أو «كَي»، فالغايةُ حُصولُ الوِقاية، لا احتِمالُها. فالكَلِمةُ تَسبِقُ المَصطلَح، والمَطلوبُ هُنا ثَباتٌ في دَورٍ يُفضي إلى حَصانةٍ وُجودية، وليسَ طَاعةً مَقرونةً بِوعيد.


حَصيلة

بعدَ أن عَرَضَ الكتابُ ثلاثةَ مَقامات، المُتَّقينَ الذينَ يَفتَحون، والكافِرينَ الذين يُغَطُّون، والمُنافِقينَ ذوي الفَتحَتَين، يَتَحَوَّلُ الخِطابُ الآنَ نِداءً عامّاً لا تَصنيفَ فيه: «يا أيُّها الناسُ». والناسُ في جذرِهم (ن-و-س) الكائنُ المُتَحَرِّكُ المُتَنَقِّلُ قَبلَ أن تُعَيِّنَه المَذاهِبُ والهُوِيَّات، وإلى هذه الصِّفةِ الأوليَّةِ يَتَوَجَّهُ النِّداء. والفِعلُ المَطلوبُ «اعبُدوا» من جذرِ ع-ب-د، ومَدارُه على الثَّباتِ في دَورٍ مُعَيَّنٍ في علاقةٍ مُستَمِرَّةٍ مع أصل، ومنه «طَريقٌ مُعَبَّد» استَقامَ بِمَشيِ الناسِ عليه مَرَّةً بعدَ مَرَّة. والرَّبُّ (ر-ب-ب) مَن يُنَقِّلُ الشَّيءَ من حالٍ ناقصٍ إلى حالٍ أكمَل، زيادةً على أنّه سَيِّد، ومنه «رَبَّى» و«رَبا»، والخَلقُ (خ-ل-ق) إنشاءٌ على تَقديرٍ معلوم. وإضافةُ «والذينَ من قَبلِكُم» تُجذِّرُ الدَّعوةَ في سِلسِلةٍ سابِقة، فالمَطلوبُ الاتِّصالُ بما سَبَق دونَ ابتِداعِ دَورٍ جديد. والغايةُ في «لَعَلَّكُم تَتَّقون» دُخولٌ في حِمايةٍ (و-ق-ي: وَضعُ حاجِزٍ بَينَ الشَّيءِ وما يُهَدِّدُه) لا خَوفٌ مُرتَعِد، وهي ثَباتٌ في دَورٍ يُفضي إلى حَصانةٍ وُجوديَّة.