البقرة · الآية 76

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

«لَقُوا» (ل ق ي) + «آمَنَّا» (أ م ن): الأَمانُ كَبَيانٍ اجتِماعيٍّ لا وَجدانيّ

وأصلُ (ل ق ي) اتِّصالٌ يَحدُثُ بَعدَ افتِراق، فاللِّقاءُ لا يَكونُ إلّا بَينَ طَرَفَينِ كانا في فَضاءَينِ مُستَقِلَّينِ ثُمَّ اقتَرَبا. والجَذرُ (أ م ن) يَدُلُّ على الأمانِ حِفظاً يَبذُلُه طَرَفٌ لِطَرَف: فالأمينُ يُحفَظُ لَدَيه الشَّيء، والمُؤمِنُ يُعطي الحِفظ. وقَولُهُم آمَنَّا في مَوضِعِ اللِّقاءِ بَيانُ أمانٍ اجتِماعيّ، مَعناه: نَحنُ نَضمَنُ دائِرَتَكُم ونَدخُلُ فيها. والآيةُ تَكشِفُ أنَّ هذا البَيانَ الذي يُطلِقونَه في العَلَنِ لا يَجِدُ امتِداداً في فَضائِهِمُ الخاصّ، ولا تَنفي الإيمانَ الوَجدانيَّ عَنهُم. فالأمانُ عِندَهُم أداةُ عُبورٍ بَينَ دائِرَتَينِ لا مَوقِفٌ مُستَقِرّ.

«خَلا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ» (خ ل و): الفَضاءُ الخاصُّ ومُراقَبةُ الخِطاب

ومادّةُ (خ ل و) دالّةٌ على إفراغٍ من حُضورِ الآخَر، والخَلوةُ فَراغٌ اختِياريٌّ من شاهِدٍ أجنَبيّ. وخَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ تَصِفُ لَحظةَ انقِطاعِ النَّظَرِ من الخارِج. وفي هذا الفَضاءِ المُعفى من المُراقَبةِ يَتَبَدَّلُ نَمَطُ الكَلام: صارَ الحَديثُ عن سياسةِ إفشاءٍ، ولم يَعُدْ عن إيمان. وفي هذا تَشخيصٌ دَقيق، وهو أنَّ الهُوِيّةَ الحَقيقيّةَ فيما يُقالُ في غِيابِ الضَّوء، لا فيما يُقالُ تَحتَه. والخَلوةُ عَكسُ اللِّقاء: هُناكَ اتِّصالٌ يَبذُلُ أماناً، وهُنا انفِرادٌ يَسحَبُه.

«فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ» (ف ت ح): المَعرِفةُ بابٌ لا مُلك

والفَتحُ من (ف ت ح): إزالةُ غَلَقٍ كانَ يَحجُبُ عُبوراً. وما عِندَهُم من عِلمٍ بابٌ فَتَحَه اللهُ، وليسَ مِلكاً مَحوزاً. واستِعمالُهُم «عَلَيكُم» دونَ «لَكُم» كاشِف، فكأنَّما يَرَونَ العِلمَ تَكليفاً واقِعاً فَوقَهُم لا نِعمةً سيقَت إلَيهِم. واستِفهامُهُم أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يَنقُلُ المَعرِفةَ من بابٍ إلى سِلاح: يُغلَقُ البابُ خَوفاً من أن يُستَعمَلَ ضِدَّهُم، بَدَلَ أن يُعبَرَ بِه إلى النّاس. وهذا أوَّلُ تَحويلٍ لِلعِلمِ من أمانةٍ إلى أداةِ نِزاع.

«لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم» (ح ج ج): تَصَوُّرُ اللهِ قاضياً في مَحكَمَةٍ بَشَريّة

والجَذرُ (ح ج ج) يَدُلُّ على إقامةِ دَليلٍ يُلزِمُ الخَصم. وفي مَنطِقِهِم أنَّ المُؤمِنينَ إذا أُعطوا النَّصَّ سيُحاجّونَهُم بِه «عِندَ رَبِّكُم»، أي أنَّ اللهَ في تَصَوُّرِهِم قاضٍ يَنتَظِرُ مَلَفَّ قَضيّةٍ يُقَدِّمُه أصحابُ النَّصّ. وهو تَصَوُّرٌ ضَيِّقٌ يَجعَلُ اللهَ رَئيسَ مَحكَمةٍ لا يَعلَمُ إلّا ما أظهَرَه الخَصمان، وهذا نَقيضُ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ في الآيةِ التّالية. فالتَّصَوُّرُ المَحدودُ لِلعِلمِ الإلهيِّ هو المُحَرِّكُ لِسياسةِ الكِتمان.

«أَفَلا تَعْقِلُونَ» (ع ق ل): النَّقدُ الذّاتيّ الذي يَنقَلِبُ إلى حُجَّةٍ ضِدَّه

والعَقلُ من (ع ق ل)، وأصلُه الرَّبط، والعاقِلُ مَن يَربُطُ الشَّيءَ بِأصلِه. ومَوضِعُ العَجَبِ أنَّهُم يَختِمونَ حِوارَهُمُ السِّرِّيَّ بِـأَفَلَا تَعْقِلُونَ، أي: ألا تَربِطونَ الأمرَ بِأصلِه؟ غَيرَ أنَّهُم في اللَّحظةِ نَفسِها يُمارِسونَ ضِدَّ الرَّبط: يَفصِلونَ المَعرِفةَ عن بابِها، ويَحجُبونَ ما فَتَحَ اللهُ. فصارَ «التَّعَقُّل» في ألسِنَتِهِمُ اسماً لِلانفِصالِ الخَفيّ. والآيةُ بِإدراجِها هذا الخِطابَ كما قالوه تَترُكُ لَنا أن نَسمَعَ كَيفَ تَنقَلِبُ الكَلِمةُ على قائِلِها إذا انقَطَعَت عن مَنبَعِها.

فاللِّقاءُ يَبذُلُ الأمان، والخَلوةُ تَسحَبُه، والفَتحُ يُفسَحُ بِه بابُ المَعرِفة، والحِجاجُ يُحَوِّلُ البابَ إلى سِلاح، والعَقلُ يَصيرُ اسماً لِلانفِصالِ حينَ يَنفَكُّ عن اللهِ الذي فَتَح.


حَصيلة

تَرسُمُ الآيةُ مَسرَحاً بِمَكانَين: العَلَنِ واللِّقاء، والخَلوةِ والانفِراد. وفي العَلَنِ «آمَنَّا» من أ-م-ن، وهو إعطاءُ أمانٍ اجتِماعيٍّ لِلدّائِرةِ الأُخرى. وفي الخَلوةِ من خ-ل-و (فَراغُ الحُضورِ من أيِّ شاهِدٍ خارِجيّ) يَتَبَدَّلُ الخِطاب: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؟ والفَتحُ من ف-ت-ح إزالةُ غَلَقٍ كانَ يَحجُبُ عُبوراً، والعِلمُ الذي عِندَهُم بابٌ أُتيحَ لَهُم، وليسَ مِلكاً. غَيرَ أنَّهُم يَتَعامَلونَ مَعَه كَسِلاح: «لِيُحاجّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُم» من ح-ج-ج (دَليلٌ يُلزِمُ الخَصم)، وكأنَّ اللهَ في تَصَوُّرِهِم قاضٍ لا يَعلَمُ إلّا ما أُبرِزَ في الوَرَق. وهذا التَّصَوُّرُ المَحدودُ لِلعِلمِ الإلهيِّ هو الذي دَفَعَهُم إلى استِراتيجيّةِ الكِتمان. والعَجيبُ أنَّ الحِوارَ السِّرِّيَّ يَنتَهي بِـ«أَفَلَا تَعْقِلُونَ» على أفواهِهِم هُم، أي: ألا تَربِطونَ الأمرَ بِأصلِه؟ وهُم يُمارِسونَ ضِدَّ الرَّبطِ بِعَينِه: يَفصِلونَ المَعرِفةَ عن بابِها. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح: «آمَنَّا» في العَلَنِ واجِهةٌ لا مَوقِف، والخَلوةُ من خ-ل-و هي الفَضاءُ الذي يَكشِفُ الهُوِيّةَ الحَقيقيّة، والعَقلُ من ع-ق-ل في أفواهِهِمُ اسمٌ لِلانفِصالِ حينَ يَنفَكُّ عَمَّن فَتَح.