آل عمران · الآية 111

﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ

«لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى»: الضَّرَرُ لا يَتَجاوَزُ الأذى

تَدخُلُ «لن» على المضارعِ فتَنفي بُلوغَ الضَّرَرِ في الاستِقبالِ الذي يَفتَحُه الفِعل، ويَصِلُ ضميرُ الفاعِلينَ بالسِّياقِ السابقِ فيَبقى الحُكمُ على مَن وَصَفَتهم الآياتُ قبلَه. والضَّرَرُ من ض-ر-ر، وهو ضَمٌّ ثقيلٌ يَجري مُستَرسِلاً ثمّ يُكرِّرُ الراءَ فيُطيلُ أثرَ الإصابة. غيرَ أنّ «إلا» تَستثني «أذى» نَكِرةً، فتُقِرُّ إمكانَ وَقعٍ مُؤذٍ وتَمنَعُ تَسويتَه بالضَّرَرِ المنفيّ، فالوَعدُ يَضبِطُ مَدى ما يَبلُغُه الفاعِلون، ولا يُلغي كلَّ ألم.

«وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ»: المُواجَهةُ تَفتَحُ إدباراً بلا نُصرة

والواوُ تَعطِفُ جُملةَ شَرطٍ على النَّفيِ الأول، و«إن» تَفتَحُ إمكانَ القِتالِ وتَربِطُه بجَوابٍ مَضبوط، ولا تُثبِتُ وقوعَه في كلِّ حال. والقِتالُ من ق-ت-ل: عَقدٌ في عُمقِ الشَّيءِ يَنقَطِعُ فيَنفَلِتُ مِنه ما كانَ يَتَعَلَّقُ بِه ويَحوزُه. وصيغةُ المفاعلةِ تَحمِلُ مُواجَهةً بينَ طَرَفَين، والضميرانِ يَحفَظانِ مَن يَبدَأُ الفِعلَ ومَن يَقَعُ عليه، فتَبقى المُواجَهةُ مُعَلَّقةً بـ«إن»، غيرَ واقعةٍ مُثبَتة.

«يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ»: الجَوابُ يَقلبُ وُجوهَ المُقاتِلين

وجاءَ المضارعُ جَواباً للشَّرطِ من غير فاصل: يُولّوكم الأدبار. والولايةُ من و-ل-ي وَصلٌ يَتَعَلَّقُ ويمتَدُّ ثمّ يَسري، غيرَ أنّ التَّوليةَ هنا تَتَّجِهُ بالمَفعولِ الثاني «الأدبار»، فيَصيرُ الوَصلُ انقلاباً يُعرَضُ فيه الخلفُ للمخاطَبين. والتَّشديدُ شُحنةٌ مُستدامةٌ متكرِّرةٌ في حَرَكةِ الإعطاءِ والانصِراف. والدُّبُرُ من د-ب-ر، وهو دَفعٌ يَتَّصِلُ ويَجري في الجِهةِ الواقعةِ خَلفاً. فالجَوابُ الملفوظُ انصِرافُهم، وهو الحَدُّ الذي يَنتَهي إليه فِعلُهم في هذا الشَّرط.

«ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ»: التَّراخي يَختِمُ المَسارَ بنَفيِ العَون

وتَأتي «ثمّ» بعدَ توليةِ الأدبار، فتُرتِّبُ نَفيَ النَّصرِ في مَرحلةٍ تاليةٍ وتُشعِرُ بتَراخٍ بينَ الحَدَثَين. و«لا» داخلةٌ على مضارعٍ مبنيٍّ للمجهول، فالبِناءُ يَرفَعُ الفاعِلَ من الجُملةِ ويَنفي عنهم أصلَ أن يَقَعَ عليهم النَّصر. والنَّصرُ من ن-ص-ر احتِواءٌ باطنٌ يَلتَقي بإمساكٍ صُلبٍ ثمّ يَجري مُستَرسِلاً في عَونٍ يَحمِلُ صاحِبَه، والبناءُ للمجهولِ يُبرِزُ حالَهم مَحرومينَ من هذا الحَملِ بعدَ الانصِراف.


حَصيلة

تَضبِطُ الآيةُ مَدى الفاعِلينَ في ثلاثِ دَرَجات: تَنفي أن يَبلُغوا المخاطَبينَ بضَرَرٍ إلا أذًى محدوداً في صيغةِ الاستِثناء، ثمّ تَفتَحُ فَرضَ القِتالِ من غير أن تَجعَلَه حالاً دائماً، وتَربِطُه بتوليةِ الأدبار. وبعدَ هذا الانصِرافِ يَأتي نَفيُ النَّصرِ مبنيّاً للمجهول، فيَشمَلُ غِيابَ العَونِ في كلِّ جِهةٍ يُمكِنُ أن يَأتيَ منها. وهكذا تَمنَعُ العبارةُ الأذى من أن يَصيرَ غَلَبةً مطلقة، ولا تُهوِّنُه.