آل عمران · الآية 163

﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ

«هُمْ دَرَجَاتٌ»: النّاسُ أَنفُسُهم دَرَجات

يَفتَحُ ضميرُ الغائبينَ جملةً اسميّةً تَعودُ إلى الطرفَينِ اللذَينِ فرّقتْ بينهما الآيةُ السابقة، والخبرُ «درجات» جاء جمعاً نكرة، وأُسنِدَت الدرجاتُ إليهم خبراً مباشراً، وهذا الإسنادُ يُكثِّفُ صلتَهم بمواضعِهم ويَحفظُ اختلافَ الأفرادِ داخلَ الجمع. والدرجُ من د-ر-ج، وأصلُه ضغطٌ ثابتٌ يَجري ثمّ يَجتمعُ في بروز، فيَحمِلُ انتقالاً مرتّباً بينَ مواضع، فالجمعُ المفتوحُ يَجعلُ التفاضلَ نفسَه خبراً عنهم.

«عِندَ اللَّهِ»: التَّقديرُ عندَ الله

و«عند الله» متعلّقٌ بالخبر، يَجعلُ موضعَ الدرجاتِ وحكمَها عندَ الله، والقربُ الظرفيُّ مقيَّدٌ بالإضافةِ إلى اسمِ الله، فتَبقى جهةُ التقديرِ عندَه. وضميرُ «هم» يَجمعُ الأطرافَ المذكورةَ من قبل، ويَحملُ خبرُ الدرجاتِ اختلافَهم داخلَ هذا التقدير.

«وَاللَّهُ بَصِيرٌ»: الاسمُ الظاهرُ يَفتتحُ عِلّةَ التمييز

وتَعطِفُ الواوُ جملةً اسميّةً ثانية، ويُعادُ فيها اسمُ الله ظاهراً في موضعِ الضمير، فيَستقلُّ التوكيدُ في الخاتمة. و«بصير» من ب-ص-ر، ومادّتُه اتصالٌ يَدخُلُ إطباقاً صُلباً ثمّ يَجري إدراكُه نافذاً، وصيغةُ المبالغةِ تَحمِلُ كثافةَ الإبصارِ واستمرارَه، فالتقديرُ عندَ الله قائمٌ مع إبصارٍ نافذٍ دائم.

«بِمَا يَعْمَلُونَ»: البَصَرُ يَبلُغُ العَمَل

والباءُ متعلّقةٌ بالموصولِ «ما»، وصلتُه فعلٌ مضارعٌ مسندٌ إلى الواو هو «يعملون». والعملُ من ع-م-ل: أثرٌ يَظهرُ من العُمقِ ويَجتمعُ ثمّ يَتعلّقُ بمَحلِّه، والمضارعُ يَحملُ تجدّدَ الفعل، والموصولُ يَجمعُ أنواعَه في عمومه. ويُعيدُ ضميرُ الجمعِ أصحابَ الدرجاتِ إلى دائرةِ الفعلِ المرئيّ، فتَتعلّقُ مواضعُهم في الخاتمةِ بما يَعملونَ تحتَ إبصارِ الله.


حَصيلة

تَضغطُ الآيةُ تقابلَ الآيةِ السابقةِ في عبارةٍ قصيرة: هم درجاتٌ عند الله، والجمعُ يُثبِتُ التفاضل، والظرفُ يَحفظُ التقديرَ عند الله. ثمّ تَربِطُ الجملةُ الثانيةُ ذلك بإبصارٍ كثيفٍ مستمرٍّ لما يعملون، ويَصيرُ العملُ المتجدّدُ متعلَّقَ الإبصارِ المصرَّحِ به، وهم أصحابُ درجاتٍ عند الله، وأعمالُهم حاضرةٌ تحتَ بصرِه.