آل عمران · الآية 5
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ»: سِترٌ لا يَصِلُ إلى العِلم
تَفتَتِحُ الآيةُ بالتَّوكيدِ «إنَّ»، ثُمَّ تُقيمُ نَفياً لا استثناءَ فيه: «لا يَخفى عليه». الفِعلُ مُضارِع، فيَنفي الخَفاءَ في كُلِّ حالٍ يَتَجَدَّد، لا في لَحظةٍ مَخصوصة. والجِذرُ خ-ف-ي يَحمِلُ تَخَلخُلاً يَنفَذُ إلى فُرجةٍ ثُمَّ يَمتَدُّ فيها، كشيءٍ يَنسَلُّ من مَجالِ البَصَر. لكنَّ الآيةَ تَقطَعُ هذه الحَرَكةَ عندَ «عليه»: قد يَخفى الشيءُ عن عينٍ، ولا يَخفى عليه.
وحَرفُ «على» يَجعَلُ المَعنى كأنَّه مَوضوعٌ في مَجالٍ لا يَخرُجُ عنه شيء. ليس العلمُ هنا بَحثاً يَصِلُ إلى المَخفيِّ بَعدَ تَأخُّر، بل نَفيٌ لِوُقوعِ الخَفاءِ أصلاً. السِّتارُ لا يَصيرُ سِتاراً إلّا لِمَن يَقِفُ خارِجَه.
«شَيْءٌ»: أَصغَرُ وَحدةٍ يَشمَلُها النَّفي
جاءَت «شيءٌ» نَكِرةً بَعدَ النَّفي، فاستَغرَقَت كُلَّ ما يَصدُقُ عليه اسمُ شيء. لا يَبقى كَبيرٌ يَستَحِقُّ العِلمُ به وصَغيرٌ يَسقُطُ منه. الجِذرُ ش-ي-ء يَحمِلُ انتشاراً يَسري ثُمَّ يُقطَعُ في وَحدةٍ مُعَيَّنة، فكُلُّ ما تَعَيَّنَ وصارَ «شيئاً» داخِلٌ في النَّفي. حينَ يَشمَلُ النَّفيُ أصغَرَ وَحدة، لا يَبقى خارِجَه مَجموع.
«فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ»: مَجالانِ بلا فُرجةٍ ثالثة
تُوَزِّعُ الآيةُ الأشياءَ على مَجالَين: «في الأرض» و«في السماء». ثُمَّ تُعيدُ «لا» و«في» مع المجالِ الثاني، فلا يَكونُ ذِكرُ السماءِ ذَيلاً سريعاً للأرض، بل نَفياً قائماً مِثلَه. الأرضُ من أ-ر-ض قاعِدةٌ يَلتَقِي فيها الجَريانُ بالثِّقَل، والسماءُ الجهةُ المُقابِلةُ في اللَّفظ. بَينَ الثَّقيلِ وما فوقَه لا تَترُكُ الجُملةُ مَخبَأً ثالثاً.
حَصيلة
يَحاوِلُ الخَفاءُ أن يَنسَلَّ إلى فُرجة، فتَأتي «لا» وتَغلِقُ الفُرجةَ قَبلَ أن تُفتَح. ويَحاوِلُ الصَّغيرُ أن يَسقُطَ من الحِساب، فتَأتي «شيءٌ» نَكِرةً فتَحمِلُه. وتَمتَدُّ الأرضُ والسماءُ طرفَينِ للمَجال، فتَتَكَرَّرُ «لا» بينَهما. لا يَحتاجُ العِلمُ هنا إلى إزاحةِ سِتار، لأنَّ السِّتارَ نفسَه واقعٌ في المَجالِ المَعلوم.