التكاثر · الآية 7

﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ

«ثُمَّ» التَّتاليَة: نَقلَةٌ من النَّظَرِ إلى عَينِ النَّظَر

«ثُمَّ» في الآيَةِ تَنقُلُكَ من فِعلِ الرُّؤيَةِ المُجَرَّدِ في الآيَةِ السابِقَة، إلى فِعلِ الرُّؤيَةِ المُؤَكَّدِ بصِفَتِه هنا. ليسَت إعادَةً سَطحيَّة؛ هي تَعميق. الفِعلُ نَفسُه «لَتَرَوُنَّ» يُعادُ، لكنَّه يُقَيَّدُ بصِفَة. الفِعلُ كانَ خَبَراً، يَصيرُ تَوصيفاً. الكَومَةُ الواحِدَةُ مِن الكَلامِ تُفَكَّكُ إلى دَرَجَتَين.

وَفي هَذا التَّتَالي مَنطِق: لا يَكفي أن يَخبَرَ بأنَّكَ سَتَرى. ينبَغي أن يُقالَ لَك ما هي رُؤيَتُكَ. كَثيرٌ من المَناظِرِ تُرى ولا تُؤَثِّر. الذي يُؤَثِّرُ مِنها هو ما تَراه عَينُك بَيقَنٍ يَنفُذُ. الآيَةُ تَفصِلُ بَين النَّظَرِ العاديِّ وَالنَّظَرِ المُؤَكَّد، وَتَختارُ للمُتَكاثِرِ النَّوعَ الثَّاني.

«عَينَ اليَقين»: العَينُ بمَعانيها الثَّلاث

الجِذرُ ع-ي-ن في العَرَبيَّةِ يَجمَعُ ثَلاثَةَ مَعانٍ في كَلِمَةٍ واحِدَة: العَينُ التي تَرى، العَينُ التي تَنبَعُ ماءً، وَعَينُ الشَّيءِ نَفسُه (أي ذاتُه). والثَّلاثُ كُلُّها من نَفسِ الجِذر، ولَيسَ هذا مَحضَ صُدفَة: ما يَنبَعُ من الباطِنِ يَظهَرُ نُقطَةً مَرئيَّة، وَالنُّقطَةُ المَرئيَّةُ هي ذاتُ الشَّيءِ التي يَتَعَيَّنُ بها. العَينُ في الجَسَدِ يَنبوعٌ مِن دَمعٍ ونَظَر، وَالعَينُ في الأَرضِ يَنبوعٌ من ماء، وَعَينُ الشَّيءِ هي ما يَتَجَلّى فيه ذاتُه.

وَ«عَينَ اليَقين» تَفتَحُ هَذِه المَعاني الثَّلاثَةَ مَعاً: عَينٌ تَرى اليَقين، عَينٌ يَنبَعُ منها اليَقين، عَينُ اليَقينِ نَفسُه (ذاتُه). الرُّؤيَةُ هنا ليسَت مُجَرَّدَ مُشاهَدَة؛ هي مُلامَسَةٌ للذاتِ التي يَجتَمِعُ فيها اليَقين. لذلك لا يَنفَلِتُ المُتَكاثِرُ من هَذِه الرُّؤيَة: لَو كانَت رُؤيَةً عابِرَة، لَكانَ يُمكِنُ أن يَلتَفِتَ ويَنسى. لكنَّها رُؤيَةُ ذاتٍ، وَالذَّاتُ لا تُنسى.

والبَقَرَةُ تَستَعمِلُ نَفسَ الجِذرِ في «العَين» اليَنبوع فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾: العَينُ هناك يَنبوعٌ مِن ماءٍ يَنبَعُ من حَجَر. الجِذرُ نَفسُه يَفتَحُ هنا يَنبوعاً من يَقين. وَالماءُ في تلكَ الآيَةِ نِعمَةٌ تُروي، وَاليَقينُ في سورَتِنا نُفوذٌ يَكسِرُ التَّكاثُر. وَكِلاهُما يَنبَعُ من نُقطَةٍ.

السُّلَّمُ يَكتَمِلُ، وَالباب يَنفَتِحُ على ما هو أَبعَد

السورَةُ بَنَت سُلَّمَ يَقين: عِلمٌ ثُمَّ عَينٌ ثُمَّ ما تَلمَحُ به الآيَةُ الأَخيرَة. وَهَذِه الآيَةُ هي الدَّرَجَةُ الثَّانيَةُ، أَوَجُّها وَأَوضَحُها. الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ التي يَلمَحُها النَّصُّ في خاتِمَةِ الواقِعَة إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ هي «حَقُّ اليَقين»، اليَقينُ الذي يَدخُلُ صاحِبُه فيه فَيَكونُ هو نَفسُه عَينَه. وَهذا ما تَفتَحُه الآيَةُ التَّاليَة: السُّؤالُ عَن النَّعيم، الذي يَجعَلُ المَسؤولَ هو نَفسُه مادَّةَ السُّؤال.

فَالسورَةُ في ثَمانِ آياتٍ تَجمَعُ ما لا يَجمَعُه كَلامٌ كَثير: تَشخيصٌ، رَدعٌ مُكَرَّر، عِلمٌ ثُمَّ عَينٌ ثُمَّ سُؤال. خُطواتٌ ثَلاثَةٌ تَتَدَرَّجُ في النَّفسِ البَشَريَّةِ كَلَّما رَجَعَت من تَكاثُرٍ إلى يَقين. مَن رَأى بعَينِه ما عَلِمَ بِقَلبِه، لَم يَعُد إلى التَّكاثُرِ بَعد.


حَصيلة

الآيَةُ تُكَرِّرُ فِعلَ الرُّؤيَةِ بِنَفسِ التَّأكيداتِ الثَّلاثَة، وَتَزيدُ صِفَةَ الرُّؤيَة: «عَينَ اليَقين». الانتِقالُ مِن «عِلمِ اليَقين» في الآيَةِ الخامِسَةِ إلى «عَينِ اليَقين» هُنا نَقلَةٌ مِنَ القَلبِ إلى البَصَر، مِنَ السَّماعِ إلى المُشاهَدَة. وَ«ثُمَّ» في أَوَّلِ الآيَةِ لَيسَت مَهلَةً زَمَنيَّةً، بَل بَلاغيَّة: أَوَّلاً تَرَون، ثُمَّ بَعدَ فَجوَةٍ تَرَونَها بِعَينِ اليَقين.

وَالإضافَةُ «عَينَ اليَقين» جَوهَريَّة. لَيسَت «بِيَقينٍ» حالاً، بَل «عَينَ اليَقين» إضافَة: الرُّؤيَةُ نَفسُها هي ذاتُ اليَقينِ وَنُقطَتُه. وَجِذرُ (ع-ي-ن) يَجمَعُ ثَلاثَةَ مَعانٍ لا يَتَفَرَّقُ جِذرُها: عَينُ الإنسانِ التي تَرى، عَينُ الماءِ التي تَنبَعُ، وَعَينُ الشَّيءِ نَفسُه (ذاتُه). ما يَنبَعُ مِنَ الباطِنِ يَظهَرُ نُقطَةً مَرئيَّة. الرُّؤيَةُ التي تُرى بِعَينِ اليَقينِ لا تُنسى: هي لِقاءُ الذَّاتِ لا المَرأى.

وَالسُّلَّمُ مُكتَمِل: عِلمُ اليَقينِ (قَلبٌ يَعلَمعَينُ اليَقينِ (بَصَرٌ يَرى)، وَما تَلمَحُه الآيَةُ الأَخيرَةُ مِن حَقِّ اليَقينِ (الكِيانُ كُلُّه يُسأَل). السورَةُ سُلَّمُ يَقينٍ يَنزِلُ بِالمُتَكاثِرِ مِن حَياةِ العَدِّ إلى مَوقِفِ الحِساب.