التكاثر · الآية 8
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«لَتُسأَلُنَّ»: السُّؤالُ كَفِعلٍ يَنفُذ
الجِذرُ س-أ-ل يَدورُ على طَلَبٍ نافِذٍ يَتَعَلَّقُ بالمَسؤول. لَيسَ سُؤالاً عابِراً تَستَطيعُ تَفاديَه. فِعلُ السُّؤال في العَرَبيَّةِ يَلتَصِقُ بالمَسؤولِ التِصاقاً، يَستَدعي جَواباً نافِذاً. وَالصيغَةُ في الآيَةِ مَبنيَّةٌ للمَجهول: لَتُسأَلُنَّ. لَم يُذكَرِ السائِل، لأنَّه مَعلوم. وَلَم يُذكَرِ المَكان، لأنَّه مُحَدَّدٌ في «يَومَئذٍ». الفِعلُ يَأتي مَجَرَّداً ليَكونَ السامِعُ هو نَفسُه مَوضوعَه.
وَالتَّأكيداتُ الثَّلاثَةُ تَعودُ هنا كَما في الآيَتَين السابِقَتَين: لامُ القَسَمِ، نونُ التَّوكيدِ الثَّقيلَة، صيغَةُ الجَمع. السورَةُ تَختِمُ بنَفسِ الإيقاعِ الذي افتَتَحَت به نَوبَةَ الرُّؤيَة: قَسَمٌ وَنونٌ ثَقيلَة. كأنَّها تَقولُ: الرُّؤيَةُ مُحَتَّمَة، وَالسُّؤالُ مُحَتَّمٌ كَذلِك. لَن تَنجوَ من الأُولى لِتَنجوَ من الثاني.
«النَّعيم»: ما اطمَأَنَّ إليه قَلبُك
الجِذرُ ن-ع-م في العَرَبيَّةِ يَدورُ على عَطاءٍ يَنسابُ ثُمَّ يَلتَئِمُ في حَياةِ المُنعَمِ عَلَيه. النِّعمَةُ ما تُنزَلُ على القَلبِ فَيَستَقِرُّ بها وَيَهدَأ. وَ«النَّعيم» في الآيَةِ يَجمَعُ كُلَّ هذا: كُلُّ راحَةٍ، كُلُّ شَبَعٍ، كُلُّ ظِلٍّ يَطمَئِنُّ إليه القَلب. وَالتَّعريفُ بألفٍ ولام يَشمَلُ الجِنسَ كُلَّه: ليسَ النَّعيمَ المُسَجَّلَ في دَفتَر، بَل كُلَّ شَيءٍ تَنَعَّمَ به الإنسانُ في حَياتِه.
وَالتَّعريفُ بألفٍ ولام في «النَّعيم» يَجعَلُ السُّؤالَ شامِلاً لا يَستَثني. السُّؤالُ لا يَتَدَرَّجُ من الأَكثَرِ إلى الأَقَلّ؛ يَنزِلُ على ما تَستَخِفُّه أنتَ في نَفسِك أَوَّلاً. التَّمرَةُ نَعيمٌ، وَالقَطرَةُ نَعيمٌ، وَالنَّفَسُ الذي تَتَنَفَّسُه نَعيم.
والبَقَرَةُ تَفتَحُ نَعيمَ الجَنَّة في وَصفِ المُؤمِنين جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: نَعيمٌ يَجري بَلا انقِطاع. وَالنَّعيمُ في سورَتِنا الذي يُسأَلُ عَنه هو نَفسُ الجِنسِ من الخَير، لكنَّه في الدُّنيا. ما أُعطيتَه في الدُّنيا قِسطٌ من جَرَيانِ الجَنَّة، وَالحِسابُ يَكشِفُ كيفَ تَلَقَّيتَه: شَكَرتَ أم كاثَرتَ به؟
السورَةُ كُلُّها بَين تَكاثُرَين
السورَةُ افتَتَحَت بـ«التَّكاثُر» وَخَتَمَت بـ«النَّعيم». وَهَذا تَوزيعٌ مَقصود: ما كاثَرتَ به في الأَوَّل، تُسأَلُ عَنه في الآخِر. الكَلِمَتانِ مُتَقابِلَتانِ في الجِذرِ والمَعنى. التَّكاثُرُ من ك-ث-ر، وَالنَّعيمُ من ن-ع-م. لكنَّ التَّكاثُرَ كَومَةٌ تُعَدّ، وَالنَّعيمُ يَنبوعٌ يَنسابُ. الاختِلافُ ليسَ في الكَمّ، بَل في الفَهم. مَن رَأى ما في يَدِه نِعمَةً، شَكَر؛ وَمَن رَآه رَأسَ مالٍ في تَفاخُر، كاثَر.
وَالسُّؤالُ في الآيَةِ الأَخيرَةِ يَكسِرُ الفَرقَ بَين النَّاجِين والهالِكين. الكُلُّ يُسأَل. لكنَّ السُّؤالَ نَفسَه يَخرُجُ بأَجوبَةٍ مُختَلِفَة. مَن لَم يَتَكاثَر، يُجيبُ بِشُكر. مَن تَكاثَر، يُجيبُ بصَمت. وَيومَئذٍ تَنكَشِفُ الأَجوبَة. السورَةُ في ثَمانِ آياتٍ تَفتَحُ ثَلاثَ دَرَجاتٍ من اليَقين: عِلمٌ ثُمَّ عَينٌ ثُمَّ سُؤال. مَن وَصَلَ إلى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَة، صارَ هو نَفسُه عَينَ اليَقين.
حَصيلة
الخاتِمَةُ تَنقَلِبُ على المُتَكاثِرِ كُلَّ ما اعتَقَد. كانَ يُحصي ما يَنفَعُه، فَيُسأَلُ عَنه. كانَ يَعُدُّ ما يَفتَخِرُ به، فَيُحاسَبُ به. وَالسُّؤالُ لَيسَ عَن المَعصيَة، بَل عَنِ النَّعيم. جِذرُ (ن-ع-م) يَدورُ على عَطاءٍ يَنسابُ ثُمَّ يَلتَئِمُ في حَياةِ المُنعَمِ عَلَيه. وَ«النَّعيم» مُعَرَّفٌ بألفٍ وَلام يَشمَلُ الجِنسَ كُلَّه: كُلُّ راحَة، كُلُّ شَبَع، كُلُّ قَطرَةٍ مِن خَير. ما كُنتَ تَعُدُّه رَأسَ مالٍ في حِسابِك يَصيرُ مَوضوعَ سُؤالٍ في حِسابِه.
وَجِذرُ (س-أ-ل) يَدورُ على طَلَبٍ نافِذٍ يَتَعَلَّقُ بِالمَسؤول. «لَتُسأَلُنَّ» مَبنيٌّ لِلمَجهول: الفاعِلُ مَعلوم، وَالمَكانُ مُحَدَّدٌ في «يَومَئذٍ». وَالتَّأكيداتُ الثَّلاثَةُ تَعودُ كَما في الآيَتَين السابِقَتَين. السورَةُ تَختِمُ بِنَفسِ الإيقاع: قَسَمٌ وَنونٌ ثَقيلَة. الرُّؤيَةُ مُحَتَّمَة، وَالسُّؤالُ مُحَتَّمٌ كَذَلِك.
وَمَنطِقُ الآيَةِ واضِح: ما تَستَخِفُّه أَنتَ في نَفسِك يَدخُلُ في حَوزَةِ السُّؤال. وَما كانَت البَقَرَةُ تَقولُه بِلَفظٍ آخَر يَصِلُ هُنا بِالشُّؤالِ مَسدوداً: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. سَريعٌ لِأَنَّه لا يَفوتُه شَيء، وَلَيسَ لِأَنَّه يَتَساهَل.