الإخلاص · الآية 2

﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

اللَّهُ الصَّمَدُ

«الصَّمد»: كلمةٌ لا تَخرُجُ من هذا المَوضع

يُكرِّرُ القرآنُ أكثرَ كلماتِه، فالاسمُ الواحدُ يَدورُ في عَشَراتِ المَواضع، أمّا «الصَّمد» فتَنزِلُ مرّةً واحدةً في هذه الآيةِ بالذَّات ثمّ تَختفي، وكأنّ الكلمةَ نَفسَها تَفعلُ ما تَصِفه، فتَنزِلُ في مَوضعٍ واحدٍ لا يُصمَدُ إلى غيرِه، ويَكونُ هو المَنفَذَ الوحيدَ إلى دَلالتِها.

وفي اختيارِ القرآنِ ألفاظَه دَقّةٌ ليست في غيرِه، فقد كان يُمكنُ أن يُقال «الله الغَنيّ» أو «الله القَيّوم»، وكلاهُما حاضرٌ في القرآنِ في مواضعَ أُخرى، وأوثِرَت في هذه السورةِ كلمةٌ لا تَتكرَّر، فتَفتَحُ في القارئِ بابَ إصغاءٍ مُختلِف، وتَطلُبُ منه أن يَتوقَّفَ عندها، لا أن يَمُرَّ بها.

السيِّدُ الذي تُصمَدُ إليه الحاجات

ومعنى «صَمَدَ إلى الشيءِ» في العربيّةِ قَصَدَه قَصداً ثابتاً لا يَنحَرِفُ عنه، ومنه قِيلَ للسيِّدِ في القومِ «صَمَد»، لأنّ الناسَ يَصمُدُونَ إليه في حاجاتهم، أي يَتَوجَّهُونَ إليه قَصداً فيَنزِلونَ في فِنائِه. والصَّمدُ في هذا الاستعمالِ هو المَركزُ الذي تَدورُ حولَه الحَوائج، ونقطةٌ يَتلاقى عندها سائرُ ما هو خارجَها، ولا تَتَوَجَّهُ هي إلى ما عداها.

وهذا المعنى يَستَوي معه ما قَبلَه من السورة، فقد قِيلَ «أحد» فاستَخرَجَ الذاتَ من الصَّنف، ثمّ قِيلَ «الصَّمد» فاستَخرَجَها من الحاجة. والذي لا ثانيَ له في صَنفِه لا يَفتقِرُ إلى ثانٍ يَملأُ نَقصَه، وكلُّ ما هو سواهُ، إذ كان من صَنفٍ، كان فيه نَقصٌ يَطلبُ سَدّاً، فالصَّمَدُ هو الذي يُسَدُّ به النَّقصُ في الكائناتِ كلِّها، ولا يُسَدُّ به نَقصٌ في ذاتِه، لأنّ النَّقصَ لا مَحَلَّ له فيه.

الكُتلةُ التي لا جَوفَ فيها

ويَزيدُ المعنى الثاني للجذرِ الصورةَ كَثافة، فـ«صَمدٌ» في وَصفِ الجَمادِ ما لا جَوفَ له ولا فُرجة، وهو الكُتلةُ المُلتَئِمةُ التي يَستَوي ظاهرُها وباطنُها، فالحَجرُ الصَّمدُ ليس فيه فَجوةٌ تَنفُذُ منها الرِّيح، ولا شَقٌّ يَصدَعُه ضَرب. وإذا وُصِفَ الإنسانُ بأنّه صَمَدٌ في حَزمِه، أرادَ المُتكَلِّمُ أنّه لا فُرجَةَ في عَزمِه يَدخُلُ منها التَّرَدُّد.

ويَستَدعي القرآنُ هذه الصورةَ هنا، فيُعدَلُ بها عن الوَصفِ الحِسّيِّ إلى صورةٍ للإصغاءِ القَلبيّ. وما تُومِئُ إليه القلوبُ لا يَدخُلُه شيءٌ من ذاتِها، ولا يَخرُجُ منه ما يُكَوِّنُ شَيئاً سِواه، إذ ليس فيه نَقصٌ ولا فَجوة، وكأنّ الكلمةَ تَفتَحُ على الذِّهنِ صورةً للذَّاتِ التي لا يَنفُذُ إليها قِياس، ولا فَجوةَ فيها يَنفُذُ منها التَّمثيل.

وهذا المعنى لا يَتَكَرَّرُ في البقرةِ بهذا اللفظ، غيرَ أنّه يَلوحُ في تَعابيرَ مُجاوِرة، فحين يَنفي عن الذَّاتِ كلَّ ما يَلحَقُ المَخلوقَ من نَقصٍ يَقول: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، والنَّومُ والسِّنَةُ فُرجَتانِ في يَقَظةِ الكائن، وبِنَفيِ الآيةِ لهما تَستَعيدُ بلسانٍ آخَرَ ما تَقولُه «الصَّمَد»، وهو أنْ لا فُرجَةَ يَنفُذُ منها انقطاعٌ ولا غَفلَة.

صَمدٌ يُحيطُ ولا يُحاط

ويَلتَقي في هذا الاسمِ ما تَفرَّقَ في غيرِه، فالصَّمدُ ما تُصمَدُ إليه الحاجاتُ فلا يَحتاج، وما لا جَوفَ فيه فلا يَنفُذُ إليه قِياس، والثَّابتُ على ذاتِه فلا يَتَغيَّرُ بزَمنٍ ولا حال، وهي ثلاثُ صفاتٍ في كلمةٍ واحدةٍ تَقعُ مرّةً في القرآن.

والقارئُ الذي يَسمعُها بعد «أحد» يَجدُ نَفسَه أمام بناءٍ تَوحيديٍّ مُحكَم، فالأُولى نَفَت أن يَكونَ معه ثانٍ في صَنفٍ مُشتَرَك، والثانيةُ تَنفي أن يَكونَ في ذاتِه ما يَطلبُ سَدّاً من خارج، وكلتاهُما تُمَهِّدانِ للآيتَين الباقِيَتَين، إذ إنّ ما لا ثانِيَ له ولا حاجَةَ فيه لا يَكونُ من جنسِ ما يَلِدُ ويُولَد.


حَصيلة

كَلِمَتان، والثانيةُ منهما من أَغرَبِ كَلِماتِ اللسانِ في القرآن، فـ«الصَّمد» لا تَتَكَرَّر، تَنزِلُ في هذه الآيةِ بالذات ثُمّ تَختَفي، وكَأنّ الكَلِمةَ نَفسَها تَفعَلُ ما تَصِفُه، فتَنزِلُ في مَوضعٍ واحدٍ لا يُصمَدُ إلى غَيرِه. ويَجمَعُ اللسانُ على هذا الاسمِ ثَلاثَ صُوَرٍ تَلتَقي عند هَيئةٍ واحدة: الأُولى السَّيِّدُ الذي تُصمَدُ إليه الحاجاتُ، أَي تُقصَدُ قَصداً ثابتاً، فهو مَركزٌ تَتَوَجَّهُ إليه الحَوائج ولا يَتَوَجَّهُ هو إلى ما عَداه، والثانيةُ ما لا جَوفَ له ولا فُرجَة، وهو الكُتلةُ المُلتَئِمةُ التي لا تَنفُذُ منها رِيحٌ ولا يَصدَعُها ضَرب، والثالثةُ الثَّابتُ على عَزمِه الذي لا فُرجَةَ في حَزمِه يَنفُذُ منها تَرَدُّد. والصُّوَرُ الثَّلاثُ تَنغَلِقُ على هَيئةٍ واحدة، هي ما يَتَوَجَّهُ إليه كلُّ شَيءٍ ولا يَتَوَجَّهُ هو إلى شَيء، وما يَكتَفي بذاتِه ولا حاجةَ فيه إلى ما يَملأُ جَوفاً. وفي تَرتيبِ السورةِ بناءٌ مُحكَم، فالأُولى نَفَت الشَّريكَ في الصَّنف، وهذه تَنفي الحاجةَ في الذَّات، والنَّفيانِ مَعقودان، فما لا ثانِيَ له في صَنفٍ مُشتَرَكٍ لا يَفتَقِرُ إلى ما يَسُدُّ نَقصَه، لأنّ كلَّ ما هو سواهُ، إذ كانَ من صَنفٍ، كانَ فيه نَقصٌ يَطلُبُ سَدّاً. وقد كانَ يُمكِنُ أن يَختارَ القرآنُ هنا «الغَنيّ» أَو «القَيُّوم»، وكِلاهُما حاضِرٌ في مَواضعَ أُخَر، غيرَ أنَّه ادَّخَرَ لهذا المَوضعِ كَلِمةً لا تَتَكَرَّر، تَطلُبُ من القارئِ أن يَتَوَقَّفَ عندها لا أن يَمُرَّ بها. ويَتَّصِلُ هذا بما في البَقَرة لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، فالسِّنَةُ والنَّومُ فُرجَتانِ في يَقَظَةِ الكائن، تَنفيهِما الآيةُ هناكَ بِلِسانٍ ثانٍ لِما تَقولُه «الصَّمَد» بِلِسانٍ واحد، وهو أنْ لا فُرجَةَ يَنفُذُ منها انقِطاعٌ ولا غَفلَة. ويُمَهِّدُ هذانِ النَّفيانِ معاً للآيتَين، فما لا ثانِيَ له ولا حاجةَ فيه لا يَكونُ من جِنسِ ما يَلِدُ ويُولَد.