الإخلاص · الآية 3

﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ

«لم يَلِد»: نَفيُ الانفِصالِ النازِل

يَدورُ الفِعلُ «وَلَدَ» في الجذرِ العربيِّ على ثلاثةِ أمورٍ مُتَّصِلة: الجَوفُ الذي يَحوي، والنَّسَبُ الذي يَلتَصِقُ، والامتِدادُ الذي يَستَمِرّ، وتَقولُ العربُ «وَلَدَ الشيءُ الشيءَ» إذا أَخرَجَه من جَوفِه ملتَصِقاً به. والوَلَدُ بهذا المعنى امتِدادٌ من الذَّاتِ بانفِصالٍ ناعِم، وليس إنشاءً من العَدَم، فقد كانَ في الباطِنِ ثمّ صار في الظاهر، ويَبقى مع ذلك مَنسوباً إلى مَن خَرَجَ منه.

ونَفيُ الآيةِ هذا الفِعلَ عن الذَّاتِ نَفيٌ بنفسِه لعِدّةِ أُمور: أن يَكونَ فيه جَوفٌ يَحوي شَيئاً يَخرُجُ منه، وأن يَكونَ ثَمَّةَ صَنفٌ مُشتَرَكٌ بينَه وبين ما يَتَوَلَّد، وأن يَكونَ زَمَنٌ يَجري فيه فِعلٌ بعد فِعل، فيَكونَ هو قَبلَ وُجودِ ولَدِه ثمّ بعد وُجودِه. فهي ثلاثةُ نَفيٍ في كلمةٍ واحدة، تَستَلزِمُها كلُّها كلمةُ «الصَّمد» السابقة، وتَستَلزِمُها كلمةُ «أحد» قبلَها.

«ولم يُولَد»: نَفيُ الأصلِ الصاعِد

ثمّ تَنزِلُ الكِفّةُ الثانية، فلو نَفَتِ الآيةُ الأُولى منهما فَقَط لَكانَ الذِّهنُ يَستَطيعُ أن يَتَخَيَّلَ ذاتاً لها أصلٌ تَخرُجُ منه وهي لا تُخرِجُ شَيئاً، وقد نَفَتِ الآيةُ هذا الاحتِمالَ بكلمتَين: «ولم يُولَد»، فلا أصلَ يَتَقَدَّمُه فيَكونَ هو امتِداداً منه. ولو كان كذلك لاستَوى مع كلِّ مَخلوقٍ في كَونِه أَتى من غيرِه، وليس كذلك، فليس له «قَبل» يَخرُجُ منه، ولا «بَعد» يَخرُجُ إليه.

وفي ترتيبِ النَّفيَين دقّة، فلو قَدَّمَتِ الآيةُ «لم يُولَد» على «لم يَلِد» لَكانَ الترتيبُ تَأريخيّاً، لا أصلَ ثمّ لا فَرع، وقد قَدَّمَت «لم يَلِد» على «لم يُولَد»، فَجَعَلَت النَّفيَ الأَوسَعَ في الإدراكِ هو الأَوّل. والإنسانُ يَرى الفُروعَ تَنزِلُ من الأُصول، ثمّ يَستَنتِجُ بعد ذلك أنّ كلَّ أصلٍ فَرعٌ لأصلٍ سابق، والآيةُ تَتَدَرَّجُ مع الإدراك، فتَبدأُ أَوَّلاً بما يَراه الإنسانُ في يَدِه، ثمّ بما يَستَنتِجُه عَقلُه.

لِمَ يُذكَرُ هذا النَّفيُ في سورةِ التَّوحيد

وقد يَسألُ القارئُ: إذا كانَتِ الآيةُ الأُولى قد قالَت «أحد» والثانيةُ قالَت «الصَّمد»، فلِمَ يَأتي هذا النَّفيُ صريحاً بعدَهما؟ والجَوابُ في طبيعةِ الإصغاءِ البَشَريّ، فالإنسانُ إذ يَسمَعُ «أحد» قد يَفهَمُها وَحدَةَ عَدَد، وقد يَتَخَيَّلُ مع ذلك أنَّ تلكَ الذَّاتَ تَتَفَرَّعُ مَعَ الزَّمَنِ في صُوَر، وإذ يَسمَعُ «الصَّمد» قد يَستَحضِرُ صورةَ السيِّدِ القَويِّ الذي يَلجَأُ إليه قَومُه، فيَقيسُه على سادةِ القَبائلِ الذين لهم آباءٌ وأبناء.

والآيةُ تَأتي لتُغلِقَ هذَين البابَين بصَريحِ النَّفي، لا بالاستِنباط، فلا يُترَكُ القارئُ ليَستَخرِجَ النَّفيَ من «أحد» ومن «الصَّمد»، ويُقالُ له صَريحاً: لا فَرعَ ولا أصل، وتَلِدُ الكلمةُ كلمةً تَلِدُ كلمة، حتى لا يَبقى في الذِّهنِ مَنفَذٌ يَتسَلَّلُ منه قِياس.

ويَتَكَرَّرُ هذا النَّفيُ في البقرةِ بصورةٍ مُختَلِفة، فحين تَردُّ الآيةُ على مَن قالَ إنّ لله ولَداً تَقول: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾، والنَّفيُ هناك يُرَدُّ به على ادِّعاءٍ مَخصوص، فيَأتي بـ«سبحانه»، ثمّ يُعَلِّلُ بأنّ كلَّ ما في السماواتِ والأرضِ مَملوكٌ له، قانِتٌ بَين يَدَيه. أمّا في الإخلاصِ فالنَّفيُ مُجَرَّد، وهو تَوحيدٌ نَقيٌّ يُوضَعُ في القلبِ كقاعِدَة، ولا رَدَّ فيه على قائل، والبقرةُ تُجادِلُ المُدَّعي، والإخلاصُ تَضَعُ القاعِدَةَ التي تُسقِطُ كلَّ ادِّعاءٍ ابتداءً.

آيةٌ تَقطَعُ النَّسَبَ كلَّه

ومَن يُرَدِّدُ هذه الآيةَ في صَلاتِه أو في خَلوَتِه يَتَعَلَّمُ من بِنيَتِها أمراً قبل أن يَتَعَلَّمَ من مَعناها، وهو كيف يُغلِقُ الخَيطَ في القلبِ على ذاتِه، فلا يَترُكُ في الذِّهنِ صورةً لذاتٍ مُتَفَرِّعة، ولا لذاتٍ مُتَفَرِّعَةٍ من شيء، والكلمتانِ تَنزِلانِ كَنَقرَتَين على بابٍ يُغلَقُ من الجِهَتَين معاً.

وإذا أُغلِقَ النَّسَبُ فُتِحَ بابٌ آخر هو بابُ القَصد، والذي لا نَسَبَ له لا يُحاطُ به قِياساً، ويُقصَدُ مع ذلك تَوَجُّهاً. ومَن قَرَأَ السورةَ من بَدئِها يُدرِكُ أنَّ هذا ما تَفعلُه، فهي تُغلِقُ كلَّ مَنفَذٍ للقياس، وتَفتَحُ مَنفَذاً واحداً للقَصد، وهو المَنفَذُ الذي قالَتهُ الآيةُ السابقة: «الصَّمد».


حَصيلة

تُغلِقُ الآيةُ بابَين في مَوضِعٍ واحد: «لم يَلِد»، فلا يَخرُجُ منه شَيءٌ من جِنسِه، و«لم يُولَد»، فلا أَصلَ يَتَقَدَّمُه ويَكونُ هو امتِداداً منه، والجِهَتانِ مُغلَقَتان، النازِلةُ والصاعِدة. والجذرُ و-ل-د يَدورُ على ثَلاثةِ أُمورٍ مُتَّصِلة، ولا يَقِفُ عند الإنجاب: جَوفٌ يَحوي، ونَسَبٌ يَلتَصِق، وامتِدادٌ يَستَمِرّ، والوَلَدُ ما يَتَكَوَّنُ في الجَوف، فيُحتَبَسُ في الرَّحِم، ثُمّ يَخرُجُ مُلتَصِقاً بنَسَبِه. ولِذا يَنفي الفِعلَ هنا ثَلاثاً مَعاً: لا جَوفَ يَخرُجُ منه شَيء (وهذا يَلتَئِمُ مَع «الصَّمد»)، ولا صَنفَ مُشتَرَكَ يَتَفَرَّعُ منه شَكلٌ، ولا زَمَنَ يَجري فيه فِعلٌ بَعدَ فِعل. وفي تَرتيبِ النَّفيَين دِقّة، إذ جاءَ «لم يَلِد» قَبلَ «لم يُولَد»، ولو قُدِّمَ النَّفيُ الصاعِدُ لَكانَ تَأريخيّاً (لا أَصلَ ثُمّ لا فَرع)، والتَّرتيبُ هنا يَتَدَرَّجُ مَع الإدراكِ البَشَريّ، فنَرى الفُروعَ بأَعينِنا قَبلَ أن نَستَنبِطَ الأُصول. وقَد يَسألُ السَّائل: إذا كانَ «أَحَد» قد نَفى الصَّنفَ و«الصَّمد» قد نَفى الحاجة، فلِمَ يَأتي هذا النَّفيُ بَعدَهما؟ والجوابُ أنّ السَّامِعَ قد يَفهَمُ «أَحَد» وَحدَةَ عَدَدٍ ويَتَخَيَّلُ ذاتاً تَتَفَرَّعُ في صُوَر، وقد يَستَحضِرُ مَع «الصَّمد» صورةَ السَّيِّدِ في القَبيلةِ ولهم آباءٌ وأَبناء، فتأتي الآيةُ لتُغلِقَ البابَين بصَريحِ النَّفيِ لا بالاستِنباط: لا فَرعَ ولا أَصل. ويَتَكَرَّرُ هذا في البَقَرةِ بصورةٍ مُختَلِفة وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ﴾، وهو هناك جَوابٌ على ادِّعاء، وهنا قاعِدَةٌ تُسقِطُ كلَّ ادِّعاءٍ ابتِداءً، فالبَقَرةُ تُجادِلُ المُدَّعي، والإخلاصُ تَضَعُ القاعِدةَ التي لا يَقومُ معها مُدَّعٍ. وحين يُغلَقُ النَّسَبُ يُفتَحُ بابٌ آخَر، هو بابُ القَصد، والذي لا نَسَبَ له لا يُحاطُ به قِياساً، ويُقصَدُ مع ذلك تَوَجُّهاً، وهو المَنفَذُ الذي قالَتهُ الآيةُ السابقة: «الصَّمد».