طه · الآية 101

﴿خَالِدِينَ فِيهِ ۖ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

خَالِدِينَ فِيهِ ۖ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا

«خَالِدِينَ»: لَفظٌ مُفرَدٌ يُجابُ بِجَمع

الآيةُ قَبلَها قالَت «مَنْ أَعْرَضَ» و«فَإِنَّهُ يَحْمِلُ»، كُلُّه مُفرَد. وهذه تَقولُ «خَالِدِينَ»، جَمعاً.

والانتِقالُ يُقرَأُ ولا يُمَرُّ عَلَيه. «مَنْ» واحِدةٌ في لَفظِها كَثيرةٌ في مَعناها، فحُمِلَ الأوَّلُ على اللَّفظِ وحُمِلَ هذا على المَعنى. الحُكمُ نَزَلَ على واحِدٍ ثُمَّ اتَّسَعَ لِمَن فَعَلَ فِعلَه.

و«خَالِدِينَ» من خ-ل-د: نُفوذٌ يَتَعَلَّقُ بِمَوضِعِه ثُمَّ يَثبُتُ فيه فلا يَبرَح. يُقالُ «خَلَدَ بِالمَكانِ» إذا لَزِمَه ولم يَرِم. فالخُلودُ لُزومٌ لا مُجَرَّدُ امتِدادِ زَمَن.

«فِيهِ»: ظَرفٌ يَعودُ على ثِقَلٍ لا على مَوضِع

الضَّميرُ مُفرَدٌ مُذَكَّر، وأقرَبُ مَذكورٍ قَبلَه «وِزْرًا». فالخُلودُ مُضافٌ إلى الوِزرِ نَفسِه.

ولم تُسَمِّ الآيةُ مَوضِعاً ولا وَصَفَت داراً. الظَّرفُ مَذكورٌ وما فيه غَيرُ مُسَمّى، ومَن سَمّاه كَتَبَ ما لَيسَ في السَّطر.

واقرَأِ الالتِقاءَ بَينَ الجَذرَين. الوِزرُ ثِقَلٌ مَوصولٌ بِصاحِبِه لا يَنفَكُّ عنه، والخُلودُ لُزومٌ لا يَبرَحُ مَوضِعَه. لُزومانِ مُتَقابِلان: ثِقَلٌ لَزِمَ حامِلَه، وحامِلٌ لَزِمَ ثِقَلَه.

«وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا»: ذَمٌّ مُقَيَّدٌ بِلامٍ ومُفَسَّرٌ بِتَمييز

«سَاءَ» فِعلُ ذَمٍّ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ يُفَسَّرُ بَعدَه. والجَذرُ س-و-أ حَصرٌ يَنعَقِدُ حَتّى يُحيطَ ثُمَّ يُطبَقُ عَلَيه فلا يَبقى مَنفَذ. ومنه «السَّوأة» ما يُوارى فلا يُترَكُ مَكشوفاً، و«ساءَه» الأمرُ إذا ضاقَ بِه.

و«لَهُمْ» تُقَيِّدُ الذَّمّ. لم يُقَلْ ساءَ الحِملُ مُطلَقاً، قيلَ ساءَ لَهُم. فالسّوءُ مَنسوبٌ إلى الحامِلينَ ومَقيسٌ بِهِم.

ثُمَّ يَأتي التَّمييزُ آخِرَ الجُملة: «حِمْلًا». وهو اسمُ الفِعلِ الذي قيلَ في الآيةِ قَبلَها: «يَحْمِلُ». فِعلٌ ثُمَّ مَصدَرُه في سَطرَين، وهذا مَجرىً مُطَّرِدٌ في هذه السّورة.

واقرَأِ الاسمَينِ مَعاً. سُمِّيَ الشَّيءُ الواحِدُ «وِزْرًا» ثُمَّ سُمِّيَ «حِمْلًا»: الأوَّلُ من جِهةِ ثِقَلِه المَوصولِ بِصاحِبِه، والثّاني من جِهةِ تَعَلُّقِه بِمَن حازَه. وكِلاهُما نَكِرةٌ لا يُقَدَّرُ لَها مِقدار.


حَصيلة

لَفظٌ مُفرَدٌ في الآيةِ السّابِقةِ يُجابُ هُنا بِجَمع، فما نَزَلَ على واحِدٍ اتَّسَعَ لِمَن فَعَلَ فِعلَه، والانتِقالُ من اللَّفظِ إلى المَعنى صَريحٌ في الصّيغة. و«خَالِدِينَ» في جَذرِه لُزومُ مَوضِعٍ لا مُجَرَّدُ طولِ مُدّة، والظَّرفُ «فِيهِ» أقرَبُ ما يَعودُ عَلَيه الوِزرُ نَفسُه لا دارٌ تُسَمّى: الآيةُ تَذكُرُ مَظروفاً ولا تَذكُرُ مَكاناً. فيَلتَقي الجَذرانِ في لُزومَينِ مُتَقابِلَين، ثِقَلٍ لا يَنفَكُّ عن حامِلِه وحامِلٍ لا يَبرَحُ ثِقَلَه. ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فِعلُ الذَّمِّ مُقَيَّداً بِلامٍ: ساءَ لَهُم، فالسّوءُ مَقيسٌ بِالحامِلينَ لا مُطلَقاً، وجَذرُه ضيقٌ يُحيطُ ثُمَّ يُطبَقُ عَلَيه فلا مَنفَذ. ويُختَمُ بِالتَّمييزِ «حِمْلًا»، وهو اسمُ الفِعلِ الذي قيلَ قَبلَ سَطر. فالشَّيءُ الواحِدُ سُمِّيَ مَرَّتَين: مَرّةً بِثِقَلِه ومَرّةً بِتَعَلُّقِه، ولم يُقَدَّرْ في المَرَّتَين.