طه · الآية 100

﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا

«مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ»: تَولِيةُ الجانِبِ، لا تَكذيبُ اللِّسان

«مَنْ» شَرطِيّةٌ عامّة، لا تُسَمّي أحَداً ولا تَحصُرُ في قَوم، ولَفظُها مُفرَدٌ سيَنقَلِبُ في الآيةِ التّاليةِ جَمعاً.

و«أَعْرَضَ» على وَزنِ أفعَلَ من ع-ر-ض، والعَرضُ خِلافُ الطُّول، وهو جانِبُ الشَّيءِ لا وَجهُه، فمَعنى «أعرَضَ عَنه» جَعَلَ لَه عَرضَه، أي أدارَ إلَيه جَنبَه ووَجَّهَ وَجهَه إلى غَيرِه.

وعُدِلَ عن «كَذَّبَ» و«جَحَدَ» و«أنكَرَ» إلى فِعلٍ هو في أصلِه حَرَكةُ بَدَنٍ لا قَولُ لِسان، فالمَذكورُ التِفاتٌ يُبقي الشَّيءَ في مَوضِعِه ويَنقُلُ النّاظِرَ عَنه، وليسَ هَدماً يَقَعُ عَلَيه.

و«عَنْهُ» ضَميرٌ أقرَبُ ما يَعودُ عَلَيه ما خُتِمَت بِه الآيةُ قَبلَها، وهو ذِكرٌ أوتِيَ بِلا حَرفِ تَبعيض، فالمُعرَضُ عَنه هو المُعطى كامِلاً.

«فَإِنَّهُ يَحْمِلُ»: جَوابٌ يُسَمّي فِعلَ الفاعِلِ لا عُقوبةَ غَيرِه

وجَوابُ الشَّرطِ جُملةٌ اسمِيّةٌ مُؤَكَّدةٌ بِـ«إنّ»، ثُمَّ خَبَرُها فِعلٌ مُضارِع، والحُكمُ مُثَبَّتٌ والفِعلُ جارٍ.

وأوثِرَ «يَحْمِلُ» على «يُعاقَبُ» و«يُجزى» و«يُؤخَذ»، فالمُعرِضُ فاعِلٌ في الجَزاءِ كما كانَ فاعِلاً في الإعراض، وفي الجُملةِ ظَهرٌ تَحتَ ثِقَل، ولا يَدَ فيها خارِجةً تَضَعُ عَلَيه شَيئاً.

والحَملُ من ح-م-ل: احتِواءٌ يُمسَكُ في الباطِنِ ثُمَّ يُعَلَّقُ بِحائِزِه فيَحوزُه، فالمَحمولُ يُعَلَّقُ بِحامِلِه فيَصيرُ من هَيئَتِه، ولا يوضَعُ بِجانِبِه.

و«يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ظَرفٌ لِلحَملِ لا لِلوَضع، فالمُخبَرُ بِه أنَّ الثِّقَلَ يُحمَلُ يَومَئِذ، ولم يُخبَرْ بِأنَّه يُنشَأُ يَومَئِذٍ.

«وِزْرًا»: جِذرٌ سُئِلَ بِه في أوائِلِ السّورةِ ويُخبَرُ بِه هُنا

و«وِزْرًا» نَكِرةٌ لا يُقَدَّرُ ولا يوصَف، والآيةُ تَذكُرُ الثِّقَلَ ولا تَذكُرُ مِقدارَه.

ومَدارُ و-ز-ر على وَصلٍ يَكتَنِزُ ثُمَّ يَجري، أي ثِقَلٍ مَربوطٍ بِصاحِبِه يَسيرُ مَعَه فلا يَنفَكّ، ولِذلك يُقالُ في الوِزرِ إنَّه يُحمَل، ولا يُقالُ إنَّه يُتبَع.

ومن هذا الجَذرِ نَفسِه سُئِلَ في هذه السّورة: وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي﴾، فهو جِذرٌ واحِدٌ في مَقامَينِ من ثَلاثةٍ في السّورة، طُلِبَ هُناكَ مَن يَشتَرِكُ في الثِّقَل، ويُخبَرُ هُنا عن ثِقَلٍ لا شَريكَ في حَملِه.

والمُبادَلةُ ظاهِرة: أُعطِيَ ذِكراً فأعرَضَ عَنه، فحَمَلَ وِزراً، وما لم يُمسَكْ في القَلبِ عادَ يُمسِكُ بِالظَّهر.


حَصيلة

شَرطٌ بِـ«مَنْ» لا يُسَمّي أحَداً، وفِعلٌ هو في أصلِه حَرَكةُ جَسَدٍ لا قَولُ لِسان، وهو أن يُعطِيَ المَرءُ الشَّيءَ عُرْضَه، أي جَنبَه، فيَبقى الشَّيءُ حَيثُ هو ويَنتَقِلَ صاحِبُه. والمُعرَضُ عَنه أقرَبُ ما يَعودُ عَلَيه الذِّكرُ الذي أوتِيَ بِلا تَبعيضٍ في الآيةِ قَبلَها. ثُمَّ يَأتي الجَوابُ بِفِعلٍ يَصدُرُ عن صاحِبِه: «يَحْمِلُ»، فيُظهِر ما يتحمله من تبعة، فالمُعرِضُ فاعِلٌ في الحالَين. والحَملُ في أصلِه احتِواءٌ يُعَلَّقُ بِحائِزِه فيَصيرُ من هَيئَتِه، والمَحمولُ «وِزْرًا» نَكِرةً بِلا مِقدار، ومادَّتُه ثِقَلٌ مَوصولٌ يَجري مَعَ صاحِبِه لا يَنفَكُّ عَنه. وهو الجَذرُ الذي طُلِبَ بِه في أوائِلِ السّورةِ عَونٌ من الأهل، فما كانَ اسماً لِمَن يُشارِكُ في الثِّقَلِ صارَ اسماً لِلثِّقَلِ الذي لا يُشارَكُ فيه، وما أُعرِضَ عَنه بِالجَنبِ يُلقى على الظَّهر.