طه · الآية 11

﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ

«فَلَمَّا أَتَاهَا»: المَجيءُ يَنقَلِبُ في جِهَتِه

«لَمّا» تَربِطُ وُقوعاً بِوُقوع. لا فَجوةَ بَينَ البُلوغِ وما بَعدَه.

والفِعلُ «أتى» هو الذي فُتِحَ بِه المَقطَعُ كُلُّه في وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ﴾. هُناكَ كانَ الخَبَرُ يَمشي إلى رَجُل، وهُنا يَمشي الرَّجُلُ إلى نار. جِذرٌ واحِدٌ يُقلَبُ اتِّجاهُه في آيَتَين.

و«ها» ضَميرٌ لا اسم. لم يُقَلْ «فلَمّا أتى النّارَ». صارَتِ النّارُ ضَميراً في اللَّحظةِ التي بَلَغَها فيها. سَمّاها مَرَّتَينِ وهو بَعيدٌ عَنها، فلَمّا دَنا مِنها اكتَفى بِالإشارة.

«نُودِيَ»: صَوتٌ يَصِلُ ولا يُذكَرُ صاحِبُه

جاءَ خَبَرُ المَجيءِ نِداءً، وجاءَ النِّداءُ مَبنِيّاً لِلمَجهول. الفِعلُ يُثبِتُ أنَّ نِداءً وَقَع، ولا يَذكُرُ في نَفسِهِ مَن نادى.

وهذا لَيسَ إخفاءً بَل تَرتيب. تَبدَأُ الآيةُ التّالِيَةُ بِـإِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾، فالمُنادي يُعَرِّفُ نَفسَه بِفَمِه بَعدَ جُملةٍ واحِدة. أُخِّرَ الاسمُ بِمِقدارِ ما يَصِلُ الصَّوت.

والجِذرُ ن-د-ي صَوتٌ يَنبَعِثُ من الجَوفِ فيُدفَعُ ويَمتَدُّ حَتّى يَبلُغَ مَن بَعُد. فالنِّداءُ في أصلِه قَطعُ مَسافةٍ بِالصَّوت. خَرَجَ الرَّجُلُ يَقطَعُ المَسافةَ بِقَدَمِه، فقُطِعَت إلَيهِ من الجِهةِ الأُخرى.

وانظُرْ ما بَينَ البُلوغِ والنِّداء: لا شَيء. لم يُذكَرْ ما رَأى حينَ وَصَل، ولا كَيفَ كانَتِ النّارُ عَن قُرب. جاءَ يَطلُبُ ما يُبصَرُ فأُعطِيَ ما يُسمَع.

«يَا مُوسَىٰ»: يُنادى بِاسمِه وَحدَه

حَرفُ نِداءٍ واسم، ولا شَيءَ مَعَهُما. لا وَصفَ ولا نِسبةَ ولا لَقَب.

وكانَ في أوَّلِ المَقطَعِ كافاً في «أتاك»، خِطاباً لِسامِعٍ خارِجَ الحِكاية. فلَمّا دَخَلَتِ الحِكايةُ صارَ اسماً يُنادى فيها. الرَّجُلُ الذي قالَ لِأهلِهِ امكُثوا يُنادى وَحدَه، وقَد كانَ وَحدَه حينَ مَشى.


حَصيلة

ظَرفٌ يَلصِقُ الوُصولَ بِما بَعدَه بِلا فُرجة. والفِعلُ «أتى» من الجِذرِ الذي حَمَلَ الخَبَرَ إلى سامِعٍ في أوَّلِ المَقطَع، وقَد انقَلَبَ هُنا فحَمَلَ رَجُلاً إلى نار. والنّارُ التي سُمِّيَت مَرَّتَينِ من بَعيدٍ صارَت ضَميراً حينَ دَنا مِنها. ثُمَّ يُبنى النِّداءُ لِلمَجهول، لا سَتراً بَل تَرتيباً، فيُعَرِّفُ المُنادي نَفسَهُ بِفَمِه في الآيةِ التّالِيَة. ون-د-ي صَوتٌ يُدفَعُ من الجَوفِ ويَمتَدُّ حَتّى يَبلُغَ البَعيد، فالمَسافةُ التي قَطَعَها بِقَدَمِهِ قُطِعَت إلَيهِ بِصَوت. وبَينَ البُلوغِ والنِّداءِ لا يُذكَرُ شَيءٌ رَآهُ. جاءَ يَطلُبُ جَمرةً تُبصَرُ فسَمِعَ اسمَه.