عبس · الآية 30

﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَحَدَائِقَ غُلْبًا

«وَحَدَائِقَ»: أوَّلُ جَمعٍ في العَدِّ، وأوَّلُ ما مُنِعَ التَّنوين

جاءَ كُلُّ ما عُدَّ قَبلَها مُفرَداً مُنَوَّناً، وهُنا يَنكَسِرُ النَّسَقُ مَرَّتَين، فتَجيءُ الكَلِمةُ جَمعاً، ويَسقُطُ عَنها التَّنوينُ فتُنصَبُ بِالفَتحةِ وَحدَها، ثُمَّ يَعودُ التَّنوينُ في الوَصفِ بَعدَها فتَستَقيمُ الفاصِلةُ كما كانَت.

وما جُمِعَ اتَّسَع، والمَوضِعُ لا يُجمَعُ إلّا إذا صارَ مَواضِع، فبَعدَ أن كانَ العَدُّ يَجري على أشياءَ تُؤخَذُ بِاليَدِ صارَ يَجري على أماكِنَ تُدخَل.

والحَديقةُ من ح-د-ق، وأصلُه احتِواءٌ ثابِتٌ يَنعَقِدُ طَوقاً لا ثُغرةَ فيه، ومِنه الحَدَقةُ في العَين، وهي سَوادٌ يُطَوِّقُه ما حَولَه، فالتَّسمِيةُ واقِعةٌ على الطَّوقِ قَبلَ أن تَقَعَ على ما في داخِلِه، وقد سُمِّيَ المَوضِعُ بِحَدِّه لا بِنَبتِه.

«غُلْبًا»: وَصفٌ يُؤخَذُ من جَذرِ الغَلَبة

وعُدِلَ عن «كَثيرة» و«مُلتَفّة» إلى «غُلباً»، وجِذرُه غ-ل-ب تَغطِيةٌ كَثيفةٌ تَحوزُ ما تَحتَها وتَثبُتُ عَلَيه، فما في الحَديقةِ يَعلو حتّى يَستُرَ أرضَها، ويَثبُتُ على ما سَتَرَه فلا يَنكَشِف.

وهذا مَعنى الغَلَبةِ نَفسُه، أي عُلُوٌّ يُصَيِّرُ المَغلوبَ تَحتَه ويَبقى، والوَصفُ الذي يوصَفُ بِه المُنتَصِرُ وُصِفَ بِه هُنا شَجَرٌ في مَوضِعٍ مُطَوَّق.

فاجتَمَعَ في كَلِمَتَينِ من آيةٍ واحِدةٍ حَدٌّ من خارِجٍ وسِترٌ من داخِل، أي طَوقٌ يَحوزُ المَوضِع، وكَثافةٌ تَحوزُ ما تَحتَها فيه، والمَوضِعُ الذي يُحاطُ مَرَّتَينِ لا يُرى ما فيه من بَعيد، ومَن أرادَ ما فيه دَخَلَه.


حَصيلة

يَنكَسِرُ نَسَقُ المُفرَداتِ المُنَوَّنةِ فتَجيءُ الكَلِمةُ جَمعاً مَمنوعاً من التَّنوين، ثُمَّ يَعودُ التَّنوينُ في وَصفِها فتَستَقيمُ الفاصِلة. و«الحَديقة» من ح-د-ق، وهو احتِواءٌ ثابِتٌ يَنعَقِدُ طَوقاً لا ثُغرةَ فيه، ومِنه الحَدَقةُ يُطَوِّقُها ما حَولَها، فالتَّسمِيةُ واقِعةٌ على الحَدِّ دونَ النَّبت. و«غُلْباً» من غ-ل-ب، وهو تَغطِيةٌ كَثيفةٌ تَحوزُ ما تَحتَها وتَثبُتُ عَلَيه، وهو جَذرُ الغَلَبةِ نَفسُه. فالمَوضِعُ مَحوزٌ بِطَوقٍ من خارِجِه ومَستورٌ بِكَثافةٍ من داخِلِه. وقد بَدَأَ العَدُّ بِحَبَّةٍ تُوضَعُ في الكَفّ، وانتَهى هُنا إلى مَكانٍ لا يُعرَفُ ما فيه إلّا بِالدُّخول.