الانفطار · الآية 12

﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ

«يَعْلَمُونَ»: ظُهورٌ من عُمقٍ يَنعَقِدُ في صورةٍ راسِخة

الجِذرُ ع-ل-م ظُهورٌ من العُمقِ يَتَعَلَّقُ بِما أمامَه ثُمَّ يَتَجَمَّعُ في صورةٍ مُتَمَيِّزةٍ راسِخة. فالعِلمُ لَيسَ خَبَراً يُودَعُ في خِزانةٍ ويُغلَقُ عَلَيه. هو صورةٌ تَنعَقِد.

ولو أُريدَ التَّسجيلُ وَحدَه لَكَفَتِ الكِتابةُ في الآيةِ قَبلَها. لكنَّ الكِتابةَ قَد تَجري على يَدٍ لا تَفهَمُ ما تَخُطّ. فجاءَ الوَصفُ الثالِثُ يَرفَعُ هذا الاحتِمال: الذي يَكتُبُ يَعلَمُ ما يَكتُب.

وقَد وَرَدَ الجِذرُ نَفسُه في هذه السورةِ جَواباً لِأربَعِ إذا: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هُناكَ عِلمُ النَّفسِ بِنَفسِها يَقَعُ في يَومٍ آتٍ، وهُنا عِلمُ القائِمينَ عَلَيها جارٍ في الحاضِر. عِلمٌ يَنكَشِفُ آخِراً، وعِلمٌ كانَ حاضِراً طَوالَ الوَقت.

«مَا تَفْعَلُونَ»: حُدوثٌ يُنسَبُ ولا يُحاز

«مَا» مَوصولةٌ عامّة. لا تَحُدُّ صِنفاً ولا تَستَثني بابا. كُلُّ ما دَخَلَ تَحتَها دَخَل.

والجِذرُ ف-ع-ل نُفوذٌ من مَضيقٍ يَظهَرُ من عُمقٍ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِمَن صَدَرَ عَنه ويَمضي مُستَقِلّاً. فالفِعلُ في حُروفِه حُدوثٌ يُنسَبُ إلى فاعِلِه ولا يَنعَقِدُ عَيناً تُحمَلُ في اليَد. لَيسَ شَيئاً تَضَعُه في صُندوقٍ فتُخفيه، ولا مَتاعاً تَبيعُه فتَتَبَرَّأُ مِنه.

وهذا يُغَيِّرُ ما يُعلَم. لَيسَ المَعلومُ أشياءَ صَنَعتَها فانفَصَلَت عَنك. المَعلومُ أنتَ وأنتَ تَفعَل. ما لا يَنفَصِلُ عن فاعِلِه لا يُخَبَّأُ في مَكانٍ دونَه.

«يَعْلَمُونَ … تَفْعَلُونَ»: فِعلانِ في زَمَنٍ واحِد

الفِعلانِ مُضارِعان. لا «عَلِموا» ولا «فَعَلتُم»، بَل «يَعْلَمُونَ» و«تَفْعَلُونَ». الصِّيغةُ تَقولُ الآن، وتَقولُ الاستِمرار.

فلا مَسافةَ بَينَ الحَدَثِ وعِلمِه. لا يَنقَضي الفِعلُ ثُمَّ يُرفَعُ الخَبَرُ بِه ثُمَّ يُنظَرُ فيه. الأمرانِ يَجريانِ في نَفَسٍ واحِد.

وفيها التِفاتٌ صَغيرٌ يُسمَعُ في آخِرِ الكَلِمَتَين: ياءُ الغائِبِ في الأُولى، وتاءُ المُخاطَبِ في الثانِية. هُم يَعلَمون، وأنتُم تَفعَلون. المَسافةُ بَينَ الضَّميرَينِ هي كُلُّ المَسافةِ الباقِية، وهي مَسافةُ مَعرِفةٍ لا مَسافةُ مَكان.


حَصيلة

يُضافُ إلى الإحاطةِ والكِتابةِ وَصفٌ ثالِثٌ يَرفَعُ عن الكِتابةِ أن تَكونَ يَداً لا تَفهَمُ ما تَخُطّ. الجِذرُ ع-ل-م ظُهورٌ من العُمقِ يَنعَقِدُ في صورةٍ راسِخة، وهو الجِذرُ الذي جاءَ جَواباً لِأربَعِ إذا في صَدرِ السورةِ حَيثُ عَلِمَتِ النَّفسُ ما قَدَّمَت وأخَّرَت: عِلمٌ يَنكَشِفُ آخِراً هُناك، وعِلمٌ حاضِرٌ هُنا. و«مَا» عامّةٌ لا تَستَثني، و«تَفْعَلُونَ» من ف-ع-ل: حُدوثٌ يُنسَبُ إلى فاعِلِه ولا يَنعَقِدُ عَيناً تُحمَلُ أو تُخَبَّأ. والفِعلانِ مُضارِعانِ فلا مَسافةَ بَينَ الوُقوعِ والعِلمِ بِه. وتَبقى مَسافةٌ واحِدةٌ في آخِرِ الكَلِمَتَين: ياءُ غائِبٍ وتاءُ مُخاطَب. أنتَ لا تَراهُم، وهُم لا يَنتَظِرونَ أن يَنتَهي فِعلُكَ حَتّى يَعلَموه.