الانفطار · الآية 11

﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كِرَامًا كَاتِبِينَ

«كِرَامًا»: شَرَفٌ يَتَجَمَّعُ في الذّاتِ حَتّى يَفيض

أوَّلُ ما يُوصَفُ بِه القائِمونَ فَوقَكُم لَيسَ دِقَّتَهُم ولا صَرامَتَهُم. الجِذرُ ك-ر-م كَتمٌ في الباطِنِ يَجري ويَتَكَرَّرُ حَتّى يَتَجَمَّعَ في كُتلةٍ ذاتِيّة. فالكَرَمُ شَرَفٌ يَنضَغِطُ في صاحِبِه حَتّى يَفيضَ من غَيرِ أن يُطلَبَ مِنه الفَيض.

والكَريمُ لا يُعطي لِيَستَرِدّ. العَطاءُ يَخرُجُ مِنه لِأنَّه امتَلَأَ بِه لا لِأنَّه حُسِبَ عَلَيه. وهذا يَقلِبُ صورةَ المَوقِفِ كُلَّها: ما فَوقَكُم لَيسَ خَصماً يَتَرَبَّص.

والجِذرُ نَفسُه مَرَّ في هذه السورةِ قَبلَ قَليل: يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. هُناكَ كانَ الكَرَمُ صِفةَ الرَّبِّ الذي غُرَّ الإنسانُ بِه، وهُنا يَصيرُ صِفةَ القائِمينَ عَلَيه. الكَرَمُ الذي كانَ مادّةَ الغُرورِ هو نَفسُه الذي يُوصَفُ بِه الحافِظون. مَن غَرَّه الكَرَمُ لم يَنجُ مِنه، بَل أُحيطَ بِه مَرَّةً أُخرى.

«كَاتِبِينَ»: حَبسٌ دَقيقٌ ثُمَّ إخراجٌ إلى مُتَلَقٍّ

الجِذرُ ك-ت-ب حَبسٌ دَقيقٌ يُثَبِّتُ ما لَو تُرِكَ انفَرَط، ثُمَّ إخراجٌ مُنضَبِطٌ إلى مَن يَستَقبِلُه. فالكِتابةُ لَيسَت في أصلِها مُراقَبة. هي عَمَلٌ ضِدَّ الضَّياع: ما يَتَفَلَّتُ من السَّمعِ والقَلبِ يُمسَكُ في صورةٍ لا تَنفَرِط.

ولِذلك جاءَ الوَصفانِ مَعاً. «لَحَافِظِينَ» إحاطةٌ لا يَسقُطُ مِنها شَيء، و«كَاتِبِينَ» إمساكٌ يَخرُجُ إلى مُتَلَقٍّ. الأوَّلُ يَمنَعُ الضَّياع، والثاني يَنقُلُ المَحفوظَ إلى مَن يَقرَؤُه. حِفظٌ بِلا كِتابةٍ يَبقى في مَوضِعِه، وكِتابةٌ بِلا حِفظٍ تَنقُلُ ما تَسَرَّبَ مِنه شَطرُه.

وهُما نَكِرَتانِ مَجموعَتانِ كالأُولى. لا اسمَ ولا عَدَد. الوَصفُ يُضافُ إلى الوَصفِ ولا يُضافُ إلَيهِما تَعيين.

«كِرَامًا كَاتِبِينَ»: الكافُ في صَدرِ الكَلِمَتَين

الكَلِمَتانِ تَبدَآنِ بِالحَرفِ نَفسِه. والكافُ كَتمٌ واحتِباسٌ وامتِساك: أقصى الفَمِ يَنطَبِقُ فيَحبِسُ النَّفَسَ ثُمَّ يُفلِتُه قاطِعاً. فالصَّوتُ الذي يَفتَتِحُ الوَصفَينِ هو صَوتُ الإمساك، مَرَّتَينِ مُتَتالِيَتَين.

وتَرتيبُ الوَصفَينِ لَيسَ مُصادَفة. قِيلَ الكَرَمُ أوَّلاً ثُمَّ الكِتابة. فالذي يُمسِكُ عَلَيكَ عَمَلَكَ وُصِفَ بِالفَيضِ قَبلَ أن يُوصَفَ بِالضَّبط. ولَو عُكِسَ التَّرتيبُ لَسُمِعَ الضَّبطُ وَحدَه.

يَدٌ تُمسِكُ ما لا تُريدُ أن تَفقِدَه لَيسَت كَيَدٍ تُمسِكُ ما تُريدُ أن تُحاسِبَ عَلَيه. والقَلَمُ واحِد، والذي يَختَلِفُ هو الكَفُّ التي تَحمِلُه.


حَصيلة

يُوصَفُ القائِمونَ فَوقَكُم بِوَصفَينِ نَكِرَتَينِ مَجموعَينِ، ويَبقى التَّعيينُ مَمنوعاً كَما كانَ في الآيةِ قَبلَها. الأوَّلُ من ك-ر-م: كَتمٌ يَجري ويَتَكَرَّرُ حَتّى يَتَجَمَّعَ في كُتلةٍ ذاتِيّةٍ تَفيض، وهو الجِذرُ الذي وُصِفَ بِه الرَّبُّ في صَدرِ السورةِ حَيثُ كانَ الكَرَمُ مادّةَ الغُرور. والثاني من ك-ت-ب: حَبسٌ دَقيقٌ يُثَبِّتُ ما يَنفَرِطُ ثُمَّ يُخرِجُه إلى مُتَلَقٍّ، فيَتِمُّ بِه ما بَدَأَته الإحاطة: مَنعُ الضَّياعِ أوَّلاً، ثُمَّ نَقلُ المَحفوظ. والكافُ تَفتَتِحُ الكَلِمَتَينِ فيُسمَعُ الإمساكُ مَرَّتَين. وقُدِّمَ الكَرَمُ على الكِتابة، فما يُكتَبُ عَلَيكَ تَكتُبُه يَدٌ وُصِفَت بِالفَيضِ قَبلَ أن تُوصَفَ بِالضَّبط.