الانفطار · الآية 13

﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ

«إِنَّ … لَفِي»: التَّوكيدُ يَعود، واللّامُ تَركَبُ الظَّرف

وهذه هي البِنيةُ نَفسُها التي جاءَت قَبلَ ثَلاثِ آيات: «إِنَّ» ثُمَّ لامٌ فَوقَها، غَيرَ أنَّ اللّامَ هُنا واقِعةٌ على «في»، لا على اسم.

و«في» ظَرفُ احتِواء، فالأبرارُ داخِلَ النَّعيم، وعُدِلَ عن أن يُقالَ إنَّ لِلأبرارِ نَعيماً يَملِكونَه، والمِلكِيّةُ تَجعَلُ الشَّيءَ في اليَد، والظَّرفِيّةُ تَجعَلُ صاحِبَه في الشَّيء، كالفَرقِ بَينَ مَن يُمسِكُ ماءً في كَفِّه ومَن يَقِفُ في النَّهر.

ثُمَّ تُبدَأُ الآيةُ بِـ«إِنَّ» بِلا واو، وقد كانَتِ الآياتُ الثَّلاثُ قَبلَها مَوصولةً بِوَصفِ القائِمينَ فَوقَ الإنسان، وهُنا يُقطَعُ الوَصلُ ويُستَأنَفُ الكَلام، فتَنتَهي المُقَدِّمةُ ويُفتَحُ البابُ على قِسمَين.

«الْأَبْرَارَ»: اتِّساعٌ مُنفَتِحٌ لا حَدَّ يَقِفُ عِندَه

والبِرُّ من ب-ر-ر، وأصلُه ظُهورٌ يَجري ويَمتَدّ، والتَّضعيفُ يُضاعِفُ الامتِدادَ ويُثَبِّتُه، فهو انفِتاحٌ مُتَّصِلٌ لا يَنقَطِع، ومِنه البَرُّ الواسِعُ المَكشوفُ في مُقابِلِ البَحرِ المَحصور.

فالبِرُّ في حُروفِه سَعةٌ لا صِنفٌ من الأعمال، يَستَوي فيه الظّاهِرُ والباطِن، لِأنَّ الاتِّساعَ لا يُقَسَّمُ إلى وَجهٍ يُرى ووَجهٍ يُخبَّأ، ومَن ضاقَ باطِنُه لم يَتَّسِعْ ظاهِرُه إلّا صورةً.

وجاءَتِ الكَلِمةُ مَعرِفةً بِالأَلِفِ واللّام، فهُم مَعروفونَ مَعدودون، بِخِلافِ ما وُصِفَ في الآياتِ قَبلَها من نَكِراتٍ لا تُعَيَّن. وتَعودُ الكَلِمةُ نَفسُها في البِنيةِ نَفسِها في مَوضِعٍ آخَر: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾، فكِتابُهُم هُناكَ لَفي عِلِّيِّين، وهُم أنفُسُهُم هُنا لَفي نَعيم، والمَوضوعُ في المَوضِعَينِ واحِدٌ في هَيئَتِه، وهو شَيءٌ مُثبَتٌ داخِلَ شَيء.

«نَعِيمٍ»: عَطاءٌ يَنزِلُ بِلِينٍ فيُحيطُ بِمَن نَزَلَ عَلَيه

والنَّعيمُ من ن-ع-م، ومَعناه انبِعاثٌ من العُمقِ يَستَقِرُّ في حَيِّزٍ مَلموس، أي شَيءٌ يَخرُجُ من جَوفٍ بِلِينٍ ويَستَوعِبُ مَن نَزَلَ عَلَيه، ومِنه النُّعومةُ لِلِينِ المَلمَس، فالنَّعيمُ مَلمَسٌ لا يَخدِش، وليسَ كَثرةً تُعَدّ.

ووَزنُ فَعيلٍ يُثَبِّتُ الحالَ ويَرفَعُ عَنها العُروض، فهي الحالُ الراسِخةُ لا اللَّحظةُ الطارِئة، ولم يُنَعَّموا فَترةً ثُمَّ عادوا.

وجاءَ نَكِرةً بَعدَ مَعرِفة، فالقَومُ مُحَدَّدونَ وما هُم فيه غَيرُ مُحَدَّد، سَعةٌ بِلا حافّةٍ تُذكَر، ومَن كانَ الاتِّساعُ اسمَه لم يُوضَعْ في حَيِّزٍ يُقاس.


حَصيلة

يُستَأنَفُ الكَلامُ بِلا واو، فتَنتَهي مُقَدِّمةُ الحافِظينَ ويُفتَحُ البابُ على قِسمَين. وتَعودُ بِنيةُ التَّوكيدِ نَفسُها، «إِنَّ» ثُمَّ لامٌ فَوقَها، غَيرَ أنَّ اللّامَ تَركَبُ هُنا ظَرفَ احتِواء، فالقَومُ داخِلَ نَعيم، والنَّعيمُ غَيرُ مَحمولٍ في اليَد. و«الْأَبْرَارَ» من ب-ر-ر، وهو ظُهورٌ يَجري ويَمتَدّ، ضاعَفَه التَّضعيفُ فصارَ انفِتاحاً لا يَنقَطِع، وسَعةً لا يَنفَصِلُ فيها ظاهِرٌ عن باطِن، وقد جاءُوا مَعرِفةً بَعدَ نَكِراتٍ لم تُعَيَّن. و«نَعِيمٍ» من ن-ع-م، أي انبِعاثٌ يَستَقِرُّ في حَيِّزٍ مَلموسٍ ويَستَوعِبُ مَن نَزَلَ عَلَيه، على وَزنِ فَعيلٍ يُثَبِّتُ الحال، وجاءَ نَكِرةً بَعدَ مَعرِفة، فالقَومُ مَعلومونَ وما هُم فيه بِلا حافّةٍ تُذكَر، وهي سَعةٌ رُدَّت إلى أهلِ السَّعة.