المطففين · الآية 14

﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ

«كَلَّا» ثُمَّ «بَلْ»: رَدٌّ يُغلِق، واستِدراكٌ يَفتَح

أداتانِ قَبلَ الخَبَر. «كَلَّا» تَرُدُّ القَولَ الذي سَبَقَها وتُغلِقُ عَلَيه، و«بَلْ» تَترُكُ المَردودَ وتَنتَقِلُ إلى غَيرِه. الرَّدُّ وَحدَه يُسكِت، والاستِدراكُ يَقولُ ما هو أدنى إلى الأمر. والقَولُ المَردودُ قَريب: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، فتُبعِدُ الآيةُ جُملَتَهُم ثُمَّ تُخبِرُ بِما تَحتَها.

وفي المُصحَفِ عَلامَتانِ في صَدرِ الآية: الأُولى بَعدَ «كَلَّا» تُرَجِّحُ وَصلَها بِما بَعدَها، والأُخرى بَعدَ «بَلْ» سَكتة: يُقطَعُ الصَّوتُ ولا يُؤخَذُ نَفَس. فالرَّدُّ والاستِدراكُ يَخرُجانِ في نَفَسٍ واحِد، ثُمَّ يُمسَكُ الصَّوتُ لَحظةً قَبلَ الفِعل. والذي يَقَعُ بَعدَ تِلكَ اللَّحظةِ غِطاء.

«رَانَ»: طَبَقةٌ تَعلو حتّى تَغلِب

الفِعلُ لازِمٌ لا يَبلُغُ مَحَلَّه بِنَفسِه، فجاءَت «عَلَىٰ» تَحمِلُه إلَيه. و«رَانَ» في كَلامِ العَرَبِ ما رَكِبَ الشَّيءَ حتّى غَلَبَ عَلَيه: يُقالُ رانَ عَلَيهِ النُّعاسُ إذا عَلاهُ فلَم يَدفَعْه، والرَّينُ ما رَكِبَ الصَّفحةَ فسَتَرَ لَمعَتَها. لا خَرقَ هُنا ولا كَسر. طَبَقةٌ تَجلِسُ فَوقَ سَطح.

وفي هذا وَجهُ اختِيارِ الكَلِمة. الغِطاءُ لَيسَ خَتماً يُغلِقُ دَفعةً واحِدة، ولا ضَربةً تَكسِر. هو ما تَراكَمَ فَوقَ السَّطحِ طَبَقةً بَعدَ طَبَقة، حتّى صارَ السَّطحُ لا يُرى. ومَن نَظَرَ إلَيهِ رَأى الغِطاءَ وحَسِبَه هو الشَّيء.

«عَلَىٰ قُلُوبِهِم»: الغِطاءُ يَقَعُ على ما شَأنُه أن يَدور

لم يَقَعِ الغِطاءُ على عَينٍ ولا على أُذُن، بَل على القَلب. والقَلبُ مُسَمًّى بِما يَفعَل: عُقدةٌ في العُمقِ تَنفَتِحُ فتَتَحَوَّل، عُضوٌ شَأنُه ألّا يَثبُتَ على وَجهٍ واحِد. فحينَ يُغَطّى، يُغَطّى الشَّيءُ الوَحيدُ الذي كانَ يُمكِنُ أن يَنقَلِبَ عن حالِه. الغِشاءُ لا يَقتُلُ القَلب، ولكنَّه يَمنَعُه أن يَدور.

«مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ»: الفاعِلُ يُؤَخَّرُ إلى آخِرِ النَّفَس

مَن الذي رانَ؟ تَضَعُ الآيةُ الجَوابَ في آخِرِ كَلِماتِها لا في أوَّلِها. يَقَعُ الفِعل، ويُذكَرُ المَحَلّ، ويُؤَخَّرُ الفاعِلُ حتّى يَبلُغَ السّامِعُ آخِرَ النَّفَس. فيَنكَشِفُ أنَّ الغِطاءَ لَم يَأتِ من خارِج.

و«كَانُوا يَكْسِبُونَ» ماضٍ يَحمِلُ مُضارِعاً، فالكَسبُ عادةٌ مُتَّصِلةٌ لا فِعلٌ واحِد. والكَسبُ في حُروفِه إمساكٌ يَجري ثُمَّ يَتَمَسَّكُ بِصاحِبِه: ما تَجُرُّهُ النَّفسُ إلَيها فيَلزَمُها ولا يُفارِقُها. وهذه هي الصِّفةُ التي يَحتاجُها الغِشاءُ نَفسُه: شَيءٌ يَلتَصِقُ ويَتَراكَم. ما لَزِمَهُم صارَ ما يَعلوهُم.


حَصيلة

«كَلَّا» تَرُدُّ، و«بَلْ» تَستَدرِك، وبَينَهُما سَكتةٌ في المُصحَفِ تُمسِكُ الصَّوتَ قَبلَ الفِعل. ثُمَّ يَقَعُ «رَانَ»: لا خَرقٌ ولا كَسر، بَل طَبَقةٌ تَعلو السَّطحَ حتّى تَغلِبَ عَلَيه. ومَحَلُّها «قُلُوبِهِم»، والقَلبُ في جِذرِه ما يَنفَتِحُ فيَتَحَوَّل، فالمُغَطّى هو المَوضِعُ الذي كانَ يَدور. ثُمَّ يَتَأخَّرُ الفاعِلُ إلى آخِرِ الآية: «مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ»، والكَسبُ إمساكٌ يَلتَصِقُ بِصاحِبِه ولا يُفارِقُه، وهو بِعادَتِه المُتَّصِلةِ يَتَراكَمُ طَبَقاً على طَبَق. فالآيةُ لا تَذكُرُ يَداً غَريبةً وَضَعَتِ الغِطاء. تَذكُرُ ما جَمَعوهُ لِأنفُسِهِم، وتَقولُ إنَّه هو نَفسُه ما صارَ بَينَهُم وبَينَ ما تَحتَه.