الانشقاق · الآية 1

﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ

«إِذَا»: شَرطٌ يُفتَحُ ولا يُغلَق

تَفتَتِحُ السّورةُ بِـ«إِذَا» لا بِأداةِ الشَّكّ. والفَرقُ بَينَهُما في المَوقِفِ كُلِّه: هذه تُعَلِّقُ الكَلامَ على وَقتٍ آتٍ، وتِلكَ تُعَلِّقُه على أمرٍ يَقَعُ أو لا يَقَع. فالمُعَلَّقُ هُنا زَمَنٌ لا احتِمال.

ثُمَّ لا يَأتي الجَوابُ. تُفتَحُ الجُملةُ في هذه الآيةِ وتَبقى مَفتوحةً في الثّانِيةِ والثّالِثةِ والرّابِعةِ والخامِسة. والسّامِعُ الذي يَنتَظِرُ ما بَعدَ الشَّرطِ يَمضي خَمسَ آياتٍ وهو واقِفٌ على طَرَفٍ واحِد. الانتِظارُ نَفسُه صارَ جُزءاً من الخِطاب، والجُملةُ التي لا تُغلَقُ سَريعاً تُبقي السّامِعَ على قَدَمَيه.

«السَّمَاءُ»: ما عَلا فأظَلَّ، لا جِرمٌ يُوصَف

«السَّمَاءُ» من س-م-و: جَريانٌ يَتَجَمَّعُ فيَعلو. فالكَلِمةُ تُسَمّي جِهةَ العُلُوِّ وسَقفَها، كُلَّ ما ارتَفَعَ فَوقَ الرَّأسِ فأظَلَّ ما تَحتَه. ومن الجَذرِ نَفسِه «الاسم»: ما يُرفَعُ على المُسَمّى فيَدُلُّ عليه. العُلُوُّ في الحَرفِ قَبلَ أن يَكونَ في المَحسوس.

وتَقِفُ الآيةُ عِندَ الاسم. تَقولُ «السَّمَاءُ» وتَمضي إلى الفِعلِ الواقِعِ بِها، فلا هَيئةَ ولا حَدَّ ولا صِفةَ جِرم. وجاءَتِ الكَلِمةُ مَرفوعةً مُقَدَّمةً على فِعلِها: يُذكَرُ السَّقفُ أوَّلاً، ثُمَّ يُذكَرُ ما نَزَلَ بِه. والمَحَلُّ يُسَمّى قَبلَ أن يُقالَ ما جَرى لَه.

«انشَقَّتْ»: صيغةٌ تُطاوِعُ ولا تَبتَدِئ

ش-ق-ق صَدعٌ يَقَعُ في صُلبٍ فيَفتَحُ فيه مَنفَذاً من غَيرِ أن يُذهِبَ طَرَفَيه. ومنه «الشِّقّ» أحَدُ نِصفَي المَشقوق، فالمَشقوقُ يَبقى شِقَّينِ لا فُتاتاً. الشَّقُّ فَتحُ مَجرىً، لا تَحطيمُ بِناء.

و«انشَقَّتْ» على بِناءِ المُطاوَعة: فِعلٌ يُقبَلُ في المَحَلِّ ولا يُبتَدَأُ مِنه. لَم تَشُقَّ السَّماءُ نَفسَها، ولَم تُذكَرْ يَدٌ شَقَّتها. الصِّيغةُ تَقولُ ما جَرى وتَسكُتُ عَمَّن أجراه، فتَبقى الكَلِمةُ كُلُّها في جِهةِ القابِل. وتَأتي الآيةُ التّالِيةُ فتُسَمّي ما سُكِتَ عنه: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾. الانشِقاقُ إذنٌ في الجِرم، والإذنُ انشِقاقٌ في السَّمع.


حَصيلة

تُفتَحُ السّورةُ بِـ«إِذَا»: وَقتٌ آتٍ لا أمرٌ مُتَرَدِّد، وجَوابُه مَتروكٌ خَمسَ آياتٍ فيَبقى السّامِعُ مَشدوداً إلى طَرَفٍ واحِد. ثُمَّ «السَّمَاءُ» من س-م-و: تَجَمُّعٌ يَتَّصِلُ فيَعلو، فالكَلِمةُ جِهةُ العُلُوِّ وسَقفُه، تُسَمّى ولا تُوصَف، وتُقَدَّمُ على فِعلِها فيُعرَفُ المَحَلُّ قَبلَ ما نَزَلَ بِه. ثُمَّ «انشَقَّتْ» من ش-ق-ق: صَدعٌ يَفتَحُ مَنفَذاً ويُبقي الطَّرَفَين، على بِناءِ المُطاوَعةِ الذي يَجعَلُ السَّماءَ قابِلةً لا مُبتَدِئة، وفاعِلُه غَيرُ مَذكورٍ حتّى تُسَمِّيَه الآيةُ بَعدَها بِـ«رَبِّهَا». فالسَّقفُ الذي فَوقَ الرُّؤوسِ يُوصَفُ بِما لا يَملِكُه: أن يَنفَتِح.