الانشقاق · الآية 2

﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ

«وَأَذِنَتْ»: إصغاءٌ يَفتَحُ المَنفَذ

أ-ذ-ن مَنفَذٌ يُفتَحُ فيَنفُذُ فيه ما نَفَذَ ويُحتَوى. ومنه «الأُذُن»: عُضوٌ لا يُبصِرُ ولا يَختار، إنَّما هو طَريقٌ إلى جَوفٍ مُغلَق. ومنه «الإذن»: إطلاقٌ يَصدُرُ عن إصغاءٍ استَقَرَّ أوَّلاً. فالسَّماحُ في العَرَبِيّةِ مَبنِيٌّ على المَنفَذِ لا على الرِّضا.

ولِذلك لا يَنفَصِلُ في هذه الكَلِمةِ سَمعٌ عن انقِياد. أن تَأذَنَ أن تَفتَحَ لَه فيكَ طَريقاً، وأن تَفتَحَ لَه طَريقاً أن تُسَلِّمَ ما بَعدَ الطَّريق. الإصغاءُ التّامُّ لَيسَ خُطوةً قَبلَ الطّاعة، هو الطّاعةُ في أوَّلِ صورَتِها.

وانظُرْ إلى مَوقِعِ هذا الفِعلِ بَينَ ما حَولَه. قَبلَه «انشَقَّتْ» على بِناءِ المُطاوَعة، وبَعدَه «حُقَّتْ» مَبنِيّاً لِلمَفعول. فِعلٌ واحِدٌ في الآيَتَينِ صَدَرَ عن السَّماءِ نَفسِها، وهو أن تُصغي. بَينَ قَبولَينِ لا تَملِكُهُما، تَملِكُ أن تَفتَحَ أُذُنَها.

«لِرَبِّهَا»: اللّامُ تُعَيِّنُ المُصغى إلَيه لا المَأمورَ بِه

لَم يُقَلْ «وأَذِنَتْ لِأمرِ رَبِّها». اللّامُ واقِعةٌ على الذّاتِ لا على الأمر، فالإصغاءُ مُتَوَجِّهٌ إلى مَن يُصغى إلَيه لا إلى ما يُقال. وفَرقٌ بَينَ أُذُنٍ تَنتَظِرُ الكَلامَ وأُذُنٍ مَفتوحةٍ لِصاحِبِه قَبلَ أن يَتَكَلَّم.

و«رَبّ» من ر-ب-ب: إمساكٌ مُلازِمٌ يَتَكَرَّرُ فيُنَمّي ما أمسَك. لَيسَ مُتَعالِياً يَنظُرُ من بَعيد، بَل مُلازِمٌ يَقومُ على الشَّيءِ حتّى يَتِمّ. وأُضيفَ إلى ضَميرِ السَّماءِ نَفسِها: «رَبِّهَا». فالنِّسبةُ قائِمةٌ قَبلَ الإصغاء، والإصغاءُ اعتِرافٌ بِنِسبةٍ لا إنشاءُ عَلاقة.

«وَحُقَّتْ»: حُكمٌ يَنزِلُ من خارِجِ الفاعِل

ح-ق-ق ثُبوتٌ مُحكَمٌ لا يُزَحزَح. ومنه «حَقَّ عَلَيه» ثَبَتَ عَلَيه فلَم يَبقَ لَه دَفع، و«الحَقيقة» ما يَستَقِرُّ في أصلِ الشَّيء. فالكَلِمةُ لا تَمدَحُ الفِعلَ ولا تَشكُرُه، تُقَرِّرُ أنَّه واجِبٌ ثابِتٌ في مَحَلِّه.

وبُنِيَ الفِعلُ لِلمَفعول، فحُذِفَ فاعِلُه. والفاعِلُ المَحذوفُ مَذكورٌ قَبلَ كَلِمَتَينِ لا أكثَر: «رَبِّهَا». الحُكمُ يَنزِلُ من الجِهةِ التي أصغَتِ السَّماءُ إلَيها، لا من السَّماءِ على نَفسِها. ومَن أثنى على نَفسِه بَعدَ الطّاعةِ فقَد أخَذَ أُجرَتَه، والآيةُ تَنزِعُ الثَّناءَ من فَمِ المُطيعِ وتَضَعُه في مَوضِعِه.

وسَتَعودُ هذه الجُملةُ بِحُروفِها في مَوضِعِها من السّورة، لِطَرَفٍ آخَرَ غَيرِ هذا. فما قيلَ هنا لِلسَّقفِ سَيُقالُ بَعدَ ثَلاثِ آياتٍ لِلأرض، ولا يُزادُ فيه حَرف.


حَصيلة

«أَذِنَتْ» من أ-ذ-ن: فَتحُ مَنفَذٍ يَنفُذُ فيه ما أُذِنَ لَه، ومنه الأُذُنُ طَريقاً لا مُختاراً، ومنه الإذنُ إطلاقاً يَصدُرُ عن إصغاء. فلا يَنفَصِلُ في الكَلِمةِ سَمعٌ عن انقِياد، وهذا الفِعلُ وَحدَه هو ما صَدَرَ عن السَّماءِ بَينَ «انشَقَّتْ» المُطاوِعةِ و«حُقَّتْ» المَبنِيَّةِ لِلمَفعول. واللّامُ في «لِرَبِّهَا» واقِعةٌ على الذّاتِ لا على الأمر: أُذُنٌ مَفتوحةٌ لِصاحِبِها قَبلَ أن يَتَكَلَّم. و«رَبّ» من ر-ب-ب إمساكٌ مُلازِمٌ يُنَمّي، والإضافةُ تُثبِتُ نِسبةً سابِقةً على الإصغاء. ثُمَّ «حُقَّتْ» من ح-ق-ق: ثُبوتٌ مُحكَمٌ لا يُزَحزَح، مَبنِيّاً لِلمَفعولِ فاعِلُه المَحذوفُ مَذكورٌ قَبلَ كَلِمَتَين. أصغَتْ فأدَّت، ولَم يُترَكْ لَها أن تُقَرِّرَ أنَّها أدَّت.