البقرة · الآية 203

﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

(ع د د): الأيّامُ المَعدوداتُ تَحديدٌ لِلزَّمَن، لا قُدسيّةٌ لَه

أصلُ (ع د د) الحَصرُ بِالعَدّ، والمَعدودُ ما أُحصِيَ فلم يَبقَ مِنه ما يُزادُ أو يُنقَص، والأيّامُ المَعدوداتُ قَليلةٌ مَحصورة.

والصّيغةُ «مَعدودات» بِالتَّأنيثِ الجَمعيِّ تُفيدُ القِلّةَ لا الكَثرة، والقرآنُ حينَ أرادَ أيّاماً كَثيرةً قال: «مَعلومات». والفَرقُ بَينَهُما دَقيق: المَعلومُ مُحَدَّدٌ بِعِلمٍ وقد يَكونُ كَثيراً، والمَعدودُ مُقَيَّدٌ بِقِلّةٍ مَحصورة.

وفَضلُ هذه الأيّامِ على سائِرِ الأيّامِ في كَثافةِ الذِّكرِ فيها، وهي في ذاتِها غَيرُ أعظَمَ مِنها، والزَّمَنُ إنَّما يَتَقَدَّسُ بِما يُفعَلُ فيه، لا بِنَفسِه.

(ع ج ل) و(أ خ ر): التَّساوي الأخلاقيُّ في الاختيار

ومَدارُ (ع ج ل) على طَلَبِ الشَّيءِ قَبلَ وَقتِه المُعتاد، ومَدارُ (أ خ ر) على جَعلِه بَعدَ وَقتٍ كانَ يُمكِنُ فيه، فأحَدُ الخِيارَينِ تَقَدُّمٌ والآخَرُ تَراخٍ، وكِلاهُما مُباح.

وتَكَرَّرَ «فلا إثمَ عليه» مَرَّتَين، والتَّكرارُ مَقصودٌ لِبَيانِ أنَّ الدّينَ لا يُفَضِّلُ أحَدَ الاختيارَينِ على الآخَر، وليس فيه حَشو. ومَن أمضى اليَومَ الثّالِثَ ليس أتقى مِمَّنِ انصَرَفَ بَعدَ الثّاني، كما أنَّ مَنِ انصَرَفَ ليس أحرَصَ على وَقتِه مِمَّن بَقي، والاختيارُ مَفتوحٌ على سَواء.

وهذا مَبدَأٌ مُهِمٌّ في بِنيةِ الدّين، وهو أنَّ مَواضِعَ السَّعةِ لا تَتَحَوَّلُ إلى مَواضِعِ فَضل، ومَن أرادَ أن يَجعَلَ من تَأخُّرِه مَرتَبةً فَوقَ غَيرِه فقد حَرَّفَ الرُّخصةَ إلى تَفاضُل.

(أ ث م): الإثمُ ثِقَلٌ يَبقى في النَّفس، لا مُخالَفةٌ إداريّة

وأصلُ الإثمِ في جِذرِه العَرَبيِّ التَّباطُؤُ الذي يَلحَقُ بِالنَّفسِ من عَمَلٍ سَيِّئ، ومِنه قَولُهم: «تَأثَّمَ فُلانٌ»، أي شَعَرَ بِثِقَلٍ في نَفسِه. والإثمُ ثِقَلٌ داخِليٌّ يُعيقُ حَرَكةَ النَّفس، وليس رَقَماً يُسَجَّلُ في سِجِلٍّ خارِجيّ.

ونَفيُ الإثمِ في كِلا الاختيارَينِ مَعناه أنَّ النَّفسَ لا تَحمِلُ ثِقَلاً من التَّعَجُّلِ ولا من التَّأخُّر، وكِلاهُما لا يَترُكُ أثَراً سَلبيّاً في البِنيةِ الدّاخِليّةِ لِلحاجّ.

(و ق ي): قَيدُ «لِمَنِ اتَّقى» كَشَرطٍ بِنائيّ

ومادّةُ (و ق ي) اتِّخاذُ حاجِزٍ فاصِلٍ بَينَ النَّفسِ وما يَضُرُّها، فقَيدُ «لِمَنِ اتَّقى» شَرطٌ بِنائيٌّ في الانتِفاعِ بِالتَّخيير، وليس زينةً أخلاقيّةً مُلحَقةً بِالحُكم.

والتَّخييرُ بَينَ التَّعَجُّلِ والتَّأخُّرِ لا يَعني إباحةَ الاستِهانةِ بِالحَجِّ نَفسِه، ومَن أرادَ أن يَنتَفِعَ بِرُخصةِ التَّعَجُّلِ من غَيرِ أن يَكونَ لَه حاجِزٌ داخِليٌّ يَحمي فِعلَه من الانحِراف فقد خَسِرَ الشَّرط، والقَيدُ يَصونُ السَّعةَ من أن تَتَحَوَّلَ إلى تَسَيُّب.

(ح ش ر): الحَشرُ تَجميعٌ لا قَهر

وأصلُ الحَشرِ في جِذرِه العَرَبيِّ جَمعُ الأطرافِ في مَكانٍ واحِد، يُقالُ: حَشَرَ النّاسَ إلى كَذا، أي جَمَعَهُم. والأصلُ لا يَدُلُّ على قَهرٍ بِذاتِه، وإن كانَ قد يَصحَبُ الجَمعَ قَدرٌ من الحَزم.

وخِتامُ الآيةِ «واعلَموا أنَّكُم إلَيه تُحشَرون» تَذكيرٌ بِأنَّ المَصيرَ تَجميعٌ مُشتَرَك، وليس تَهديداً. والتَّعَجُّلُ والتَّأخُّرُ اختيارٌ فَرديّ، غَيرَ أنَّ النِّهايةَ جَماعيّة، وهذا التَّجميعُ يُذَكِّرُ الفَردَ بِأنَّ انصِرافَه وبَقاءَه سَيَؤولانِ إلى نُقطةِ اجتِماعٍ واحِدة، فلا داعِيَ لِلتَّفاخُرِ بِأحَدِهِما على الآخَر.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: الأيّامُ المَعدوداتُ مَحصورةٌ قَليلةٌ غَيرُ مُقَدَّسةٍ بِذاتِها، وتَكافُؤُ التَّعَجُّلِ والتَّأخُّرِ قَرارٌ لاهوتيٌّ بِأنَّ الدّينَ لا يَبني فَضيلةً على طولِ المُكوث، والحَشرُ الذي يَختِمُ الآيةَ تَجميعٌ جَماعيٌّ يَنسِفُ مَنطِقَ الصِّنفِ المُمَيَّز.


حَصيلة

تَختِمُ هذه الآيةُ مَشهَدَ الأيّامِ المَعدوداتِ بِسِتّةِ جُذورٍ تَتَضافَر. والجِذرُ -ع-د-د- يَحصُرُ الأيّامَ في قِلّةٍ مَعدودة، والصّيغةُ الجَمعيّةُ «مَعدودات» تُفيدُ القِلّةَ تَحديداً، فلا قَداسةَ لِلزَّمَنِ بِذاتِه، وقَداستُه بِكَثافةِ الذِّكرِ فيه: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾. ثُمَّ يَرسُمُ الجِذرانِ -ع-ج-ل- و-أ-خ-ر- تَكافُؤاً أخلاقيّاً تامّاً بَينَ التَّقَدُّمِ والتَّراخي، وقد تَكَرَّرَ «فلا إثمَ عليه» مَرَّتَين لأنَّ التَّكرارَ إعلانٌ لاهوتيٌّ لا حَشو. والإثمُ من -أ-ث-م- ثِقَلٌ يَتَناثَرُ في النَّفسِ ويُبطِئُها، فنَفيُه عن كِلا الاختيارَينِ يُبَرِّئُ الحاجَّ من أيِّ وَطأةٍ مَهما اختار. على أنَّ هذه السَّعةَ مَحفوفةٌ بِشَرطٍ بِنائيٍّ هو «لِمَنِ اتَّقى»، والتَّقوى من -و-ق-ي- حاجِزٌ مُتَّصِلٌ يَحمي الاختيارَ من الانحِراف، فمَن أرادَ الرُّخصةَ بِلا حاجِزٍ داخِليٍّ فقد خَسِرَ الشَّرط. ثُمَّ يَختِمُ الجِذرُ -ح-ش-ر- الآيةَ: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، والحَشرُ جَمعٌ لِلأطرافِ المُتَفَرِّقةِ في مَكانٍ واحِد، لا قَهرٌ بِذاتِه، وهو تَذكيرٌ بِأنَّ المَصيرَ مُشتَرَكٌ بَينَ المُتَعَجِّلِ والمُتَأخِّر، فلا مَوضِعَ لِلتَّفاخُرِ بِأيِّ الاختيارَين.