البقرة · الآية 201

﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

(ح س ن): الحَسَنةُ مُوائَمةٌ لا صِفَةٌ مُجَرَّدة

أُؤكّدُ أنَّ الجذرَ (ح س ن) في العربيّةِ يَدلُّ على الجَمالِ الذي يَأتي من التَّناسُبِ والكَمالِ المُلائم. الحَسَنُ: ما وَقَعَ في مَوقِعِه الصَّحيح. وتَفصيلُه: أن يَكونَ الشَّيءُ على ما يَنبَغي أن يَكونَ عليه في حَيِّزِه.

وأُلاحظُ أنَّ تَكرارَ «حَسَنة» في الدُّنيا والآخرةِ ليس تَكراراً لَفظيّاً، بل تَفصيلٌ لِمَعنَيينِ مُختَلِفَين: الأوّلُ يَتَوَجَّهُ إلى ما تَستَدعيه طبيعَةُ الحياةِ الحاضرةِ من حَسَن، والثاني إلى ما تَستَدعيه طبيعَةُ الحياةِ الآخرةِ من حَسَن. دُعاءٌ واحدٌ بِصورَتَين.

(د ن و) و(أ خ ر): حَيِّزانِ لا عَدُوّان

أُبَيِّنُ أنَّ الدُّنيا من الجذرِ (د ن و) بِمَعنى القُرب. الدُّنيا هي الحَياةُ القَريبةُ زَمَنيّاً، لا الحياةُ الدَّنيئةُ أخلاقيّاً. والآخرةُ من (أ خ ر) بِمَعنى التَّأخُّرِ في الرُّتبَةِ الزَّمنيّة، لا في الرُّتبةِ القيميّة.

وأُلاحظُ أنَّ الآيةَ تَعطِفُ الحَيِّزَين دُونَ أن تَجعَلَهُما مُتَناقضَين. طَلَبُ الحَسَنةِ في الدُّنيا ليس انحِرافاً، وطَلَبُ الحَسَنةِ في الآخرةِ ليس إلغاءً لِلدُّنيا. النَّصُّ يُعيدُ الإنسانَ إلى وَضعِه الحَقيقيِّ الذي يَعيشُ فيه في حَيِّزَينِ مُتَتابعَين.

(و ق ي): الوِقايةُ حاجزٌ فاصلٌ لا قُوّةٌ مُحارِبة

أؤكّدُ أنَّ الجذرَ (و ق ي) يَدلُّ على الحَجزِ الذي يَفصِلُ بَين الشَّيءِ وما قد يُؤذيه. التَّقوى: اتِّخاذُ حاجزٍ بَين النَّفسِ وما يَضُرّها. والقَولُ «وَقِنا» طَلَبُ حاجزٍ إلهيٍّ فاصلٍ بَين السائل وعَذابِ النَّار.

وأُلاحِظُ أنَّ هذه الفِكرَةَ تَختَلفُ عن مَعنى «النَّجاة» الذي يَقتَضي إنقاذاً من وَضعٍ وَقَعَ فيه السَّائلُ فِعلاً. «قِنا» طَلَبُ مَنعٍ مُسبَقٍ بَينه وبَين الأذى، لا انتِشالاً منه.

(ع ذ ب): العَذابُ استِمرارٌ مُضنٍ لا ضَربةٌ عابرة

أُبَيِّنُ أنَّ الجذرَ (ع ذ ب) في أصلِه يَدلُّ على الأَلَمِ المُلازِمِ المُستَمرّ. العَذابُ: ما يُطيلُ معَ الإنسان ألَمَه. لَيس ضَربَةً عابرَةً ثم تَنقَضي، بل حالةٌ يُقاسي فيها الإنسانُ الوَقتَ الطَّويل.

وأُلاحظُ أنَّ ذِكرَ «النَّار» بَعدَه ليس مَوضِعاً جغرافيّاً فَحَسب، بل بِنيَةَ مَعنى: نارٌ تَبقى وتَستَمرّ. هذا هو الخَطَرُ الذي يَطلُبُ السائلُ حاجزاً فاصِلاً دُونَه.

الدُّعاءُ كَتَوازُنٍ بَنائيٍّ في الوَعي

أُؤكّدُ أنَّ هذه الآيةَ تُقَدِّمُ نَموذَجَ الإنسانِ المُتوازنِ الذي لا يَحذِفُ أيَّ حَيِّزٍ من حَياتِه، ولا يُضَخِّمُ حَيِّزاً على حسابِ الآخر. يَطلُبُ الحَسَنةَ في القَريبِ والمُؤَجَّلِ مَعاً، ويَطلبُ الوِقايةَ من الأذى المُستَمرّ.

وأُلاحظُ أنَّ هذا التَّوازُنَ هو مَدخَلُ الفَلاحِ كما ذَكَرَتهُ الآيةُ التاليةُ: «أولئكَ لَهُم نَصيبٌ مِمّا كَسَبوا». فالنَّصيبُ يَأتي لِمَن يَطلُبُ كِلا الحَيِّزَين، لا لِمَن يَحذِفُ واحداً منهما.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: الحَسَنةُ ليست لَفظةً مُكَرَّرَةً في هذا الدُّعاء، بَل صِفَةُ مُوائَمةٍ تَأخُذُ شَكلَها من حَيِّزِها، والإنسانُ المُتَوازنُ مَن يَطلُبُ في كلِّ حَيِّزٍ ما يُناسِبُه دُونَ أن يَختَزلَ وُجودَه في أَحَدِهما.


حَصيلة

هذا الدُّعاءُ المُحكَمُ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، يَقومُ على ثَلاثةِ جُذورٍ تُكَوِّنُ بِنيَتَه الدَّاخليّة. الجذرُ -ح-س-ن- لا يَعني الخَيرَ المُبهَم، بَل المُوائَمةَ لِلحَيِّز: حَسَنةُ الدُّنيا ما يَصلُحُ لِنِظامِها من أمنٍ وصِحّةٍ وسَعَةٍ وصِلَة، وحَسَنةُ الآخرةِ ما يَصلُحُ لِنِظامِها من قُربٍ ونُورٍ وطُمَأنينة. فتَكرارُ اللَّفظِ ليس تَكراراً للمَعنى، بَل تَفصيلٌ لِمَعنيَيِن مُتَمايِزَين باختِلافِ الحَيِّز. والجذرُ -د-ن-و- يُحَرِّرُ الدُّنيا من وَصمةِ الدَّنائة: هي الحَياةُ القَريبةُ زَمَناً لا الحَياةُ الأدنى قِيمةً، كما أنَّ الآخِرةَ من -أ-خ-ر- تاليةٌ في التَّرتيبِ الزَّمنيِّ لا في السُّلَّمِ القِيَمي. وهذا ما يُتيحُ لِلدُّعاءِ أن يَجمَعَ الحَيِّزَين دُونَ أن يَقولَ إنَّ أحَدَهما ضِدُّ الآخَر. ثمَّ يَختِمُ الدُّعاءُ بالجذرِ -و-ق-ي-: «قِنَا» طَلَبُ حاجِزٍ إلهيٍّ فاصلٍ بَين السَّائلِ وعَذابِ النَّار، وهو أعمَقُ من طَلَبِ النَّجاةِ بَعدَ الوُقوع، لأنَّه يَستَدعي مَنعاً مُسبَقاً. والجذرُ -ع-ذ-ب- يُفصِحُ: العَذابُ ألمٌ يَلتَصِقُ ويَستَمِرّ، لا وَخزةٌ عابِرة. في مُقابِلِ كُلِّ هذا يَقِفُ دُعاءُ الآيةِ 200 المُقتَصِرُ على الدُّنيا، فَتَأتي هذه الآيةُ بِنَموذَجِ الإنسانِ المُتَوازِنِ الذي لا يَحذِفُ حَيِّزاً ولا يُضَخِّمُ حَيِّزاً على حِسابِ الآخَر، وهو المَدخَلُ إلى النَّصيبِ الذي بَشَّرَت به الآيةُ التاليّة.