البقرة · الآية 95

﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ

«وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا» (م ن ي): استِحالَةُ الرَّجاءِ مَعَ مَعرِفةِ الحال

الجَذرُ (م ن ي) يَدُلُّ على التَّدَرُّجِ في الصّيرورة؛ فَـ «المَنيُّ» هوَ ماءُ الحَياةِ قَبلَ التَّشَكُّل، و«التَّمَنّي» هوَ قَصدٌ قَلبيٌّ لِصيرورةٍ مَرجُوَّة. والتَّمَنّي الحَقيقيُّ لا يَكونُ إلّا حينَ يَستَقبِلُ القَلبُ نَتيجَتَهُ بِسكينة. ولِذَلِكَ قالَ لَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾: لا بِمُجَرَّدِ اللِّسان، بَل بِقَلبٍ مُتَهَيِّئٍ لِمَجيءِ المَوت. ومَن استَعرَضَ سِجِلَّ نَفسِهِ فَرَأى فيهِ ما يَعلَمُ أنَّ لَهُ وَزناً، لا يَستَطيعُ أن يُطلِقَ هذا الرَّجاء. فَالآيةُ تَعرِضُ مَبدَأً نَفسيّاً كَنسَقٍ عام: الرَّجاءُ الصّادِقُ لا يُصَنَعُ بِالإرادة، بَل يَنكَشِفُ بِحَقيقَةِ الحال.

«بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ» (ق د م) + (ي د ي): الأَيدي رُسُلُ الإنسانِ إلى ما بَعد

الجَذرُ (ق د م) يَدُلُّ على الإرسالِ إلى الأمام، سَواءٌ في المَكانِ أو الزَّمان. واليَدُ في القُرآنِ أَداةُ الفِعلِ ومَوضِعُ الأَثَر. فَـ«قَدَّمَت أَيديهِم» تَرسُمُ صورةً جِسميّةً لِلعَمَل: أَيدٍ تَمُدُّ ما صَنَعَتهُ إلى الأمام حَتّى يَقِفَ عِندَ نِهايةِ الطَّريق. والمَشهَدُ كَأَنَّ الإنسانَ يَستَقبِلُ نَفسَهُ في نِهايَتِه؛ ما أَرسَلَهُ بِيَدِهِ اليَوم يَستَقبِلُهُ غَداً. والآيةُ تُذَكِّرُ بِأنَّ الحِسابَ ليسَ مُفاجَأة: هوَ مُقَدِّمٌ بِاليَد، مَرئيٌّ بِالعَين، مَعلومٌ بِالقَلب.

«وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» (ع ل م) + (ظ ل م): العِلمُ الإلَهيُّ يُخَتِّمُ المَشهَد

الخاتِمةُ تَضَعُ العِلمَ الإلَهيَّ في مُقابَلِ العِلمِ الذّاتيِّ الذي حَبَسَ تَمَنِّيَهُم. هُم يَعلَمون ما فَعَلوا، واللهُ يَعلَمُ ما فَعَلوا، ولا يَبقى في المَسأَلةِ إلّا إقامةُ العَدل. و(ظ ل م) في أَصلِهِ وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه؛ فَالظّالِمُ ليسَ فَقَط المُعتَديَ عَلى الآخَر، بَل مَن يَضَعُ اللاَفِتةَ الدِّينيّةَ فَوقَ سِجِلٍّ لا يُناسِبُها، أو مَن يَدَّعي خُلوصَ الدّارِ الآخِرَةِ لَهُ دونَ النّاس. فَالعِلمُ الإلَهيُّ يَتَناوَلُ الظُّلمَ في بُنيَتِه، لا في ظاهِرِ شِعارِه.

فَالتَّمَنّي سكينةٌ قَلبيَّةٌ لا تَصنَعُها الإرادة، والأَيدي رُسُلٌ إلى ما بَعد، والعِلمُ الإلَهيُّ يَرى ما تَراهُ النَّفسُ مِن نَفسِها ويَزيد.


حَصيلة

جَذرُ (م-ن-ي) يَكشِفُ أنَّ التَّمَنّيَ الحَقيقيَّ ليسَ كَلمةً تَخرُجُ مِن اللِّسان، بَل قَصدٌ قَلبيٌّ يَنبَعُ في سَكينةٍ مِن باطِنِ الإنسانِ ويَسري نَحوَ المُتَوَقَّع؛ ومَن عَرَفَ ما أَرسَلَتهُ يَدُهُ لا يَستَطيعُ أن يُطلِقَ هذا القَصدَ بِاطمِئنان. وجاءَ الجَذرُ (ق-د-م) مَقروناً بِـ(ي-د-ي) لِيَرسُمَ صورةً حِسِّيَّةً جِسدِيَّةً لِهذا الواقِع: الأَيدي تَمُدُّ ما صَنَعَتهُ إلى الأمامِ فَيَقِفُ عِندَ نِهايةِ الطَّريقِ مُنتَظِراً، والحِسابُ ليسَ مُفاجَأَةً بَل شَيءٌ تَراهُ النَّفسُ في نَفسِها كُلَّما سَألَتها. وتَختِمُ الآيةُ بِاسمَينِ: العَليمُ الذي يَرى ما تَراهُ النَّفسُ مِن سِجِلِّها ويَرى مَعَهُ ما يَتَوارى، والظّالِمونَ الذينَ أَحدَثوا في الجَذرِ (ظ-ل-م) خَللاً في التَّوضيع: رَفَعوا لافِتَةَ الاختِصاصِ بِالدّارِ الآخِرةِ فَوقَ سِجِلٍّ لا يَحمِلُها، فَكانَ العِلمُ الإلَهيُّ بِهذا المِسمارِ تَحديداً لا بِالعُنوانِ الذي رَفَعوه.