آل عمران · الآية 137

﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ

«قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ»: التَّحقيقُ يُثبِتُ مرورَ طُرُقٍ سابقة

تَدخلُ «قد» على الماضي «خلت» فتُحقّقُ وقوعَه. والخلوُّ من خ-ل-و، وهو اختراقٌ جارٍ يتعلّقُ بمحلٍّ ثمّ يُفضي عنه، فيَحملُ مروراً يَتركُ المكانَ وراءه. و«من قبلكم» تُعيّنُ جهةَ السبقِ بالنسبةِ إلى المخاطبين. والفاعلُ المؤخّرُ «سنن»، جمعُ سنّةٍ من س-ن-ن، ومادّتُه حصرٌ دقيقٌ يحتوي في الجوفِ ويُكثّفُ تكرارُ النونِ المجرى، فتَظهرُ طرقٌ جاريةٌ مضبوطةٌ سبقتهم.

«فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ»: السَّيرُ يُحَوِّلُ الخَبَرَ إلى نَظَر

والفاءُ تَصِلُ خبرَ السُّننِ بأمرٍ عمليٍّ هو «سيروا». والسَّيرُ من س-ي-ر حَصرٌ يَمتَدُّ صوتيّاً ثمّ يَدخُلُ جرياناً مسترسلاً، فيَحمِلُ انتقالاً داخلَ مَجرى. والأمرُ جمعيٌّ يَنقُلُ المخاطَبينَ بأنفسِهم، والظرفُ «في الأرض» يَجعلُ الأرضَ حَيِّزَ الحركة. والأرضُ من أ-ر-ض إطلاقٌ يَجري ثمّ يَضمُّه لقاءٌ ثقيل، فتَحمِلُ قاعدةً مشتركةً تَثقُلُ عليها الآثار. والمأمورُ به السَّيرُ في الحَيِّزِ الذي سَمّاهُ اللفظُ، والأرضُ كلُّها مَجالُ هذا الأمر، فمَن سارَ فيها لَقِيَ آثارَ السُّننِ حيثُ حَلَّت.

«فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ»: السَّيرُ يَفتَحُ نظراً في الهيئة

والفاءُ الثانيةُ تُعقِّبُ على السَّيرِ بأمرٍ آخرَ هو «انظروا». والنظرُ من ن-ظ-ر ما يَنبَعِثُ من باطِنِ صاحِبِه فيَغشى الشَّيءَ ويَجري عَلَيه مُمتَدّاً، فيَرسُمُ إرسالَ العَينِ إلى الشَّيءِ ومَدَّها عَلَيه، وصيغةُ الجمعِ تُبقي الأمرَ في الجماعةِ المخاطَبة. والتركيبُ يَطلُبُ النظرَ في الهيئةِ التي كانَ عليها المآل، ولا يَقِفُ عند رؤيةِ شيءٍ؛ و«كيف» تَسألُ عن تلك الهيئة. وفعلُ «كان» يَضعُ الهيئةَ في وقوعٍ ماضٍ يَستطيعُ النظرُ أن يَتتبّعَ أثرَه، فالخبرُ الذي فُتِحَت به الآيةُ يَصيرُ بالسَّيرِ والنَّظَرِ مَشهوداً بالعَينِ لا مَسموعاً وحدَه.

«عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ»: المَنظورُ إليه نهايةُ طبيعةِ التَّكذيب

و«عاقبة» اسمُ «كان» المؤخَّرُ في المعنى المطلوبِ للنظر. والعاقبةُ من ع-ق-ب ظُهورٌ من العُمقِ يَنعَقِدُ ثمّ يَتَّصلُ بما قبله، فتَحمِلُ آخراً يَعقُبُ المسارَ ويَرتبطُ به، وهي مضافةٌ إلى «المكذّبين». والتَّكذيبُ من ك-ذ-ب كَتمٌ يُبرِزُ ملامسةً رخوةً ثمّ يَتَّصلُ بها، والتَّشديدُ فيه يُعاوِدُ الفِعلَ ويُطيلُه، فيَصيرُ التكذيبُ دَيدَناً لا زَلّةً واحدة. وإضافةُ العاقبةِ إلى أصحابِ هذا الفِعلِ تَجعَلُ المَنظورَ إليه ما انتَهى إليه القومُ من حيثُ هُم أصحابُه، فالعاقبةُ مَعقودةٌ بالفِعلِ لا بالأسماء.


حَصيلة

يُثبتُ الماضي أنّ سنناً قد مرّت قبلَ المخاطبين، ثمّ تَصلُ الفاءُ هذا الخبرَ بأمرِ السيرِ في الأرض، وتَفتحُ فاءٌ أخرى الحركةَ إلى النظرِ في كيفيةِ عاقبةِ المكذبين. وعلى هذا يجتمعُ الممرُّ المكانيُّ مع الإدراك، فهو سيرٌ في الحيزِ المشترك، ونظرٌ في آخرِ مسارٍ اتصلَ بفعلِ التكذيبِ المُعاوَد. ومن عمومِ «سنن» و«الأرض» و«المكذبين» يَتسعُ الدرسُ لكلِّ موضعٍ تُرى فيه العاقبة.