آل عمران · الآية 136

﴿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ

«أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ»: المَغفِرةُ أَوَّلُ الجَزاء

يُشيرُ «أولئك» إلى الموصوفينَ في الآيتينِ السابقتين، فيَجمعُ الإنفاقَ والكظمَ والعفوَ والذِّكرَ والاستغفارَ وعدمَ الإصرارِ في جهةٍ واحدة. والجزاءُ من ج-ز-ي، وأصلُه اجتماعٌ يَكتنزُ في مَضيقٍ ثمّ يَمتَدُّ، فيَحمِلُ مقابلاً يَتَّصلُ بالفعل. والضميرُ يَنسبُه إليهم، وخبرُه الأوّلُ «مغفرة»، والمغفرةُ تَعودُ هنا سِتراً جارياً من غَور، غيرَ أنّ «من ربّهم» تَحفظُ مصدرَها عطاءً من علاقةِ الرُّبوبية، لا نتيجةً يَستقلُّ العملُ بصُنعِها.

«وَجَنَّاتٌ»: الجمعُ يَزيدُ المَأوى بعدَ سِترِ المَغفِرة

والواوُ تَعطِفُ «جنّات» على «مغفرة»، فيَتعدّدُ الجزاءُ من غير أن يَنفصلَ بعضُه عن بعض. والجنّةُ مادّتُها ج-ن-ن، وهي اجتماعٌ يَدخُلُ احتواءً جوفيّاً ويُكثِّفُ تَكرارُ النونِ سِترَه، وصيغةُ الجمعِ تَمنحُ اللفظَ تَعدّداً. والمَغفرةُ فعلُ سِترٍ آتٍ من الربّ، والجنّاتُ حَيِّزٌ مَستورٌ داخلَ الجزاء، وبينَ الخَبَرَينِ نِسبةٌ واحدةٌ تَجمَعُهما، هي سِترٌ يَقَعُ على ما مَضى من الفِعل، وسِترٌ يَحتوي صاحِبَه في مُقامٍ آتٍ، ولذلك عُطِفَ الثاني على الأوّلِ وقامَ إلى جانبِه.

«تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ»: الجَنّاتُ تَحمِلُ جَرياناً دائماً

وجملةُ المضارعِ «تجري من تحتها الأنهار» صفةٌ للجنّات. والجريانُ من ج-ر-ي اجتماعٌ يَتَّصلُ بسَيلانٍ مسترسلٍ ثمّ يَمتَدُّ صوتيّاً، فيَحمِلُ حركةً متجدّدة. و«من» تَبدأُ المسارَ من «تحتها»، والضميرُ يعودُ إلى الجنّات، و«الأنهار» هي الجاريةُ المؤخَّرةُ في اللفظ. والنهرُ من ن-ه-ر احتواءٌ جوفيٌّ يَنفتِحُ في فراغٍ ثمّ يَجري مسترسلاً. وتَقديمُ «من تحتها» على «الأنهار» يُعرِّفُ السامِعَ مَوضِعَ الجَريانِ قبلَ الجاري، فيَستَقِرُّ في النَّفسِ أنَّ هذه الجَنّاتِ قائمةٌ على ماءٍ لا يَنقَطِعُ من تَحتِها.

«خَالِدِينَ فِيهَا»: أَهلُ الجَزاءِ يَستَقِرّونَ في مُقامِهم

و«خالدين» حالٌ من أصحابِ الإشارة، وضميرُ «فيها» يَعودُ إلى الجنّاتِ المجموعة. والخلودُ من خ-ل-د اختراقٌ نافذٌ يَتعلّقُ بالمَحلِّ ثمّ يَثبُتُ فيه بضغطِ الدال، فيَرسُمُ امتداداً لا يَنقطعُ عن حَيِّزه. وجاءَ «خالدين» اسماً يَصِفُ حالَهم، ولم يَجئْ فِعلاً يُخبِرُ عن دُخول، فالبَقاءُ صِفتُهم في المُقام، وليسَ لَحظةً عَبَروا بها إليه. و«فيها» تَضَعُ هذا البَقاءَ في الحَيِّزِ الذي وُصِفَ قبلَه، فيَجتَمِعُ للجَنّاتِ ماءٌ يَتَجَدَّدُ وأهلٌ يَثبُتون، أي حَرَكةٌ دائمةٌ تَحتَهم وثَباتٌ دائمٌ فيهم.

«وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ»: العَمَلُ يَجِدُ أَجرَه

والواوُ تَستأنفُ صيغةَ مدحٍ هي «نعم». والأجرُ من أ-ج-ر إطلاقٌ مفاجئٌ يَدخلُ اجتماعاً ثمّ يَجري مسترسلاً، فيَحمِلُ عِوضاً يَصلُ إلى صاحبِه، وهو المَمدوحُ بـ«نعم»، ثمّ يأتي «العاملين» مضافاً إليه. وفي ع-م-ل ظُهورٌ يَصعَدُ من العُمقِ فيَضُمُّ ويَتلاصق، ثمّ يَتعلّقُ بأثرٍ يَبقى بعدَه، فالعَمَلُ ما خَرَجَ من الباطنِ إلى صورةٍ مُتَعَلِّقةٍ بمَحَلّ. وجاءَ ذِكرُ أصحابِه بصيغةِ الاسمِ دونَ صيغةِ الفِعل، فوُصِفوا بالقيامِ على عَمَلِهم. والخاتمةُ تَمدَحُ الأجرَ من جِهَتِهم، فتُضيفُه إليهم إضافةَ مَن يَبلُغُه، لا إضافةَ ثَمَنٍ مَحسوب.


حَصيلة

تَردُّ الإشارةُ الجزاءَ إلى أصحابِ الأفعالِ السابقة، وجزاؤهم مغفرةٌ مصدرُها ربُّهم، وجنّاتٌ يَجري من تحتِها ما سمّاه النصُّ أنهاراً. والجمعُ يُوسّعُ الحَيِّزَ المَستور، والمضارعُ يُجدِّدُ الجريان، و«خالدين» يَصِفُهم بالبَقاءِ فيها لا بالوُصولِ إليها. ثمّ تَختمُ صيغةُ المدحِ بأنّ هذا نعمَ أجرُ العاملين، فتَصلُ الجزاءَ بالعملِ من غير أن تَجعَلَ العملَ مصدرَ المغفرةِ المستقلّ. وعلى هذا يَتوزّعُ الكلام: المصدرُ من الربّ، والمَقامُ في الجنّات، والمدحُ للأجر.