آل عمران · الآية 143

﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

«وَلَقَدْ كُنتُمْ»: التَّحقيقُ يَردُّ المخاطَبينَ إلى حالٍ سابقة

تَعطِفُ الواوُ الجملةَ على سؤالِ الدخولِ والبذلِ والصبر، وتَجتمعُ اللّامُ و«قد» لتوكيدِ الماضي، و«كنتم» يَردُّ المخاطَبينَ إلى حالٍ قامت بهم. والكَونُ من ك-و-ن، ومادّتُه كَتمٌ يَحبِسُ الشَّيءَ في باطِنٍ ثمّ يَنبعِثُ بِه من الباطنِ إلى التحقّق، فيَحمِلُ حالاً، لا خاطراً عابراً. واسمُ «كان» ضميرُ الجمع، وخبرُها الفعلُ الآتي، فمَحلُّ النظرِ الحالُ الماضيةُ التي ثَبَتَ فيها التمنّي.

«تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ»: التَّمَنّي يَسبِقُ ما لم يُرَ

وجاءَ «تمنّون» مضارعاً داخلَ إطارِ «كنتم»، فرَسَمَ حالاً متكرّرةً أو ممتدّةً في ذلك الماضي. والتمنّي من م-ن-ي، وأصلُه ضمٌّ ولقاءٌ يَدخُلُ احتواءً جوفيّاً ويُكثِّفُه تَكرارُ النون، ثمّ يَمتَدُّ صوتُه إلى مطلوبٍ غيرِ واقعٍ في اللحظة، فيَحمِلُ صورةً باطنةً يَتعلّقُ بها المرء. ومفعولُه «الموت» من م-و-ت، وهو امتِدادٌ يَطولُ ثمّ يَنقَطِعُ عِندَ آخِرِه فيَسكُن، فيَسمّي انقطاعَ الحياة. فالجُملةُ تَقِفُ عندَ الصُّورةِ الباطِنةِ وحدَها، أي عندَ مَوتٍ يُطلَبُ وهو صورةٌ في الصَّدرِ، لا حُضورٌ في الخارج.

«مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ»: القَبليّةُ تَفصِلُ الصُّورةَ عن اللِّقاء

وتَضعُ «من قبل» التمنّيَ في جهةٍ زمنيّةٍ سابقةٍ للِّقاء، ويَكشفُ الضميرُ في «تلقوه» أنّ مفعولَ اللقاءِ هو الموتُ المذكور، فلا يَحتاجُ إلى اسمٍ آخر. واللقاءُ من ل-ق-ي، ومدارُه على تعلّقٍ والتصاقٍ يَنعَقِدُ في العُمقِ ثمّ يَمتَدُّ إلى تماسّ، فيَحمِلُ وصولَ طرفينِ إلى مواجهة. و«أن» تَنصبُ الفعلَ وتَحوّلُه إلى حدٍّ زمنيٍّ للتمنّي. وبهذا يَفرِقُ التركيبُ بينَ مطلوبٍ تَصوَّره الداخلُ ومُلاقاةٍ يَقَعُ فيها التَّماسُّ بالفِعل، فيَبقى الفَرقُ فَرقَ زَمَنٍ ومَوضِع، وهو صورةٌ في الصَّدرِ قبلَ أن يَبلُغَ الطَّرَفانِ حَدَّ اللِّقاء.

«فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ»: الرُّؤيةُ تَنقُلُ الأُمنِيّةَ إلى المُواجَهة

والفاءُ تَصلُ الحالَ السابقةَ بما وقعَ بعدها، و«قد» تُحقِّقُ الفعلَ الماضي: رأيتموه. والرؤيةُ من ر-أ-ي جريانٌ مسترسلٌ يَلتقي إطلاقاً مفاجئاً ثمّ يَمتَدُّ صوتيّاً، فيَحمِلُ إدراكاً يَصلُ فيه المرئيُّ إلى الحضور. والضميرُ يَعودُ إلى الموت، فالمتمنّى قبلَ اللقاءِ صارَ مرئيّاً أمامَ جماعةِ المخاطَبين، والذي ثَبَتَ لهم هو الرؤيةُ المباشرةُ لما كانوا يتمنّونَه.

«وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ»: النَّظَرُ يُبقي الواقِعَ حاضِراً

والواوُ للحال، وهي تُعيدُ الضميرَ الجمعيَّ: وأنتم تنظرون. والنظرُ من ن-ظ-ر، وأصلُه ما يَنبَعِثُ من باطِنِ صاحِبِه فيَغشى الشَّيءَ ويَجري عَلَيه مُمتَدّاً، فيَحمِلُ إرسالَ العَينِ إلى الشَّيءِ ومَدَّها عَلَيه. والمضارعُ يَجعلُ النظرَ جارياً في زمنِ الرؤيةِ نفسها، فلا تُروى لهم خبراً بعيداً أو نقلاً عن غيرِهم. واجتماعُ «رأيتموه» و«تنظرون» يُكثِّفُ حضورَ الشيءِ أمامَ الإدراكِ من غير أن يَزيدَ وصفاً لمشهدِه، والذين تمنّوا هم أنفسُهم الذين رأوا ونظروا.


حَصيلة

تُقيمُ الآيةُ مقابلةً زمنيةً بينَ التمنّي والمواجهة. وقد كانَ المخاطَبونَ في حالِ تمنٍّ ممتدٍّ للموتِ قبلَ أن يَلقَوه، ثمّ نَقلتِ الفاءُ و«قد» المطلوبَ المتصوَّرَ إلى شيءٍ رأوه، وجاءتِ الحالُ «وأنتم تنظرون» فأثبتت مباشرةَ إدراكِهم بدلَ الخبرِ المنقول. وقوّتُها في ردِّ التمنّي السابقِ إلى لحظةِ حضورِ مفعولِه أمامَ الذين كانوا يَطلبونَه: صارَ ما كانَ تمنّياً في الداخلِ منظوراً في الخارج.