آل عمران · الآية 161

﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

«وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ»: النُّبُوَّةُ لا تَحمِلُ الغُلول

تَفتحُ الواوُ حكماً منفيّاً بصيغةِ «ما كان»، واللامُ فيه تَربطُ الاستحقاقَ بنبيٍّ جاء نكرةً في سياقِ النفي، والمصدرُ المؤوَّلُ «أن يغلّ» هو الأمرُ المرفوعُ عنه. والغلُّ من غ-ل-ل، وأصلُه غورٌ يتعلّقُ بالمحلِّ، ثمّ يُكثّفُ تكرارُ اللامِ الإمساكَ، فيَحملُ أخذَ شيءٍ وحبسَه في غيرِ مجراه. وبجمعِ نكرةِ «نبي» إلى الفعلِ العامِّ يَسري الحكمُ على الوصفِ والفعلِ كلّما اجتمعا.

«وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ»: ما يُغَلُّ يَعودُ معَ صاحِبِه

وتَنقلُ «مَن» الحكمَ من النفيِ العامِّ إلى شرطٍ مفتوحٍ على كلِّ فاعل، وفعلُ الشرطِ «يغلل» وجوابُه «يأت» مجزومانِ كلاهما، فتَشتدُّ صلةُ الفعلِ بنتيجته. والباءُ في «بما غلّ» تَجعلُ الشيءَ المحبوسَ مصاحباً لمجيئه، والماضي في الصلةِ يُثبتُ وقوعَه، فيأتي الفاعلُ يومَ القيامةِ بالشيءِ نفسِه الذي أخرجَه عن مجراه وحبسَه.

«يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ»: الزمنُ يَفتحُ التوفيةَ الشاملة

والظرفُ متعلّقٌ بالمجيء، وقد سمّى الزمنَ «يوم القيامة» من غيرِ تفصيلٍ لمشهد. ثمّ رتّبت «ثمّ» بعدَه فعلاً مبنيّاً للمجهول هو «تُوفّى»، والتوفيةُ من و-ف-ي، ومدارُها على عقدٍ يَنفُذُ متّصلاً ثمّ يَمتدُّ إلى التمام، فتَحمِلُ إيصالَ الشيءِ كاملاً. ونائبُ الفاعلِ «كلّ نفس» يُدخِلُ كلَّ ذاتٍ منفردةً في الحكم، فلا يَبقى الشرطُ الأوّلُ وحدَه مقياسَ التوفيةِ الجامعة.

«مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ»: الكسبُ حدُّ الجزاءِ ونفيُ الظلمِ خاتمتُه

والموصولُ «ما» هو ما تُوفّاه كلُّ نفس، وصلتُه «كسبت» تَردُّ المقدارَ إلى فعلِها المكتسب. والتأنيثُ في الفعلِ عائدٌ إلى النفس، وأمّا الجمعُ في «وهم» فيَجمعُ النفوسَ بعدَ أن وزّعتْها «كلّ»، وهذا الانتقالُ من المفردِ الموزَّعِ إلى الجمعِ يَحفظُ الفرديّةَ في الكسبِ والشمولَ في نفيِ الظلم. والظلمُ من ظ-ل-م: غِطاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه، فيَحبِسُ الحَقَّ عن صاحِبِه، والمبنيُّ للمجهولِ مع النفيِ يُغلقُ وقوعَ الظلمِ عليهم، فيَقِفُ الحكمُ عندَ حَدِّ التوفيةِ بالكسب، وهو مِقدارٌ يَبلُغُ صاحبَه تامّاً، وحَدٌّ لا يُنقَصُ منه.


حَصيلة

يَنفي النصُّ أن يكونَ الغَلُّ لنبيّ، والنكرةُ في «نبيّ» تَجعلُ الحكمَ لاحقاً بالوصفِ حيثُ وُجِد، ثمّ يُنشئُ شرطاً يَحملُ فيه كلُّ مَن يَغلل ما غلَّ عندَ مجيئِه يومَ القيامة. وبعدَ هذا المثالِ الخاصّ تَتّسعُ التوفيةُ إلى كلِّ نفسٍ بما كسبت، على السواءِ بلا استثناء. ويَحفظُ المبنيُّ للمجهولِ اكتمالَ الإيصال، ويَحفظُ نفيُ الظلمِ دقّتَه، فتَتّصلُ الخيانةُ بصاحبِها ويَجيءُ بها معه، ويَبلُغُ كلَّ نفسٍ ما كَسَبَته على تمامِه.