آل عمران · الآية 27

﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

«تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ...»: كُلُّ حَدٍّ يَدخُلُ في ضِدِّه

الإيلاجُ من و-ل-ج وَصلٌ يَمتَدُّ ثمَّ يَتَجَمَّعُ داخِلَ حَيِّز. ليسَ الليلُ والنَّهارُ كُتلتَينِ لا تَلتَقِيان، بل يُدخَلُ كُلٌّ منهما في الآخَر. وتَكرارُ الفِعلِ معَ عَكسِ الاسمينِ يَصنَعُ إيقاعاً لا يُثبِّتُ الغَلَبةَ لطَرَف.

«وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ...»: الخارِجُ كانَ داخِلَ ما يُخالِفُه

الخُروجُ من خ-ر-ج تَخَلخُلٌ يَجري ثمَّ يَتَجَمَّعُ في حَيِّزٍ ظاهِر. وتَكرارُ «تُخرج» يَصِلُ الحَيَّ بالمَيِّتِ في الاتِّجاهَين. لا تَقولُ الآيةُ إنَّهما شيءٌ واحد، بل إنَّ القُدرةَ تُظهِرُ من كُلٍّ ما لا تُوحي به صورتُه الساكِنة.

«وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ»: العَطاءُ لا يُحبَسُ في مُعادَلة

الرِّزقُ من ر-ز-ق جَريانٌ يَندَفِعُ ثمَّ يُحكَمُ وُصولُه إلى مَن يَنتَفِعُ به. وبعدَ تَبادُلِ الليلِ والنَّهارِ والحَيِّ والمَيِّتِ يَأتي الرِّزقُ بوَصفِه مَدَداً يَعبُرُ الحُدود. و«بغير حساب» تَنفي أن يكونَ العَطاءُ مَحبوساً في عَدٍّ يُلزِمُ المَصدَر.

مِن حَرَكةِ العالَمِ إلى وُصولِ العَطاء

تَبدأُ الآيةُ بأكبَرِ دائرتَينِ مَذكورتَين، الليلِ والنَّهار، ثمَّ تَدخُلُ إلى أدَقِّ حَدٍّ بينَ الحَيِّ والمَيِّت، ثمَّ تَنتَهي إلى «مَن تشاء» مُفرَداً في عُمومِه. فالحَرَكةُ لا تَبقى مَشهداً بعيداً يُرى في الآفاق؛ تَصِلُ إلى مُتَلَقٍّ يَبلُغُه الرِّزق. وما أَدخَلَ زمناً في زَمنٍ وأَخرَجَ حالاً من حالٍ هو نَفسُه الذي يُوصِلُ المَدَدَ إلى مَن يَشاء.

وتَكرارُ الاتِّجاهَينِ يَمنَعُ القارئَ من تَثبيتِ الضِّدِّ في صورةٍ مُغلَقة: الليلُ لا يَملِكُ حَدَّه وحدَه، والنَّهارُ لا يَملِكُه، والحَيُّ والمَيِّتُ لا يَمنَعُ أحدُهما خُروجَ الآخَر. ثمَّ تأتي «بغير حساب» فلا تَنفي الحِكمةَ أو التَّقدير، بل تَنفي أن يكونَ عَدُّ المُتَلَقّي هو الحَدَّ الذي يَحبِسُ عَطاءَ المَصدَر. المَجرى أوسَعُ من الصُّورةِ الساكِنةِ ومن حِسابِ مَن يَنتَظِر. فمَن يَرى الحُدودَ تَتحَوَّلُ في الزَّمنِ والحياةِ لا يَجعَلُ حِسابَه الخاصَّ سُوراً أخيراً حولَ إمكانِ الرِّزق.


حَصيلة

تَرسُمُ الآيةُ ثلاثَ حَرَكات: دُخولَ الضِّدِّ في ضِدِّه، وخُروجَ الضِّدِّ من ضِدِّه، ووُصولَ الرِّزقِ بلا حَدٍّ يَفرِضُه الحِساب. ما يَبدو حَدّاً فاصِلاً يَصيرُ مَعبَراً تحتَ القُدرة: الليلُ والنَّهار، والحياةُ والمَوت، والقِلّةُ والكَثرةُ في العَطاء.