آل عمران · الآية 57

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ

«وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا»: القِسمُ الثانيُ يَبدأُ من ثِقة

تَحملُ الواوُ القارئَ إلى القسمِ المقابل، وتُعيدُ «أمّا» ميزانَ التقسيم. وقد عُرّفَ القسمُ الأولُ بفعلِ التغطية، ويُعرَّفُ هذا القسمُ بفعلِ الإيمان. وفي أ-م-ن يَبدأُ تهيّؤٌ يَستقرُّ في باطنٍ مأمونٍ ثمّ يَخرجُ أثرُه موقفاً من الثقة، والماضي يثبّتُ هذا الموقفَ واقعاً، وبذلك يَقومُ التناظرُ بينَ فعلينِ يَكشفُ كلٌّ منهما طرفَه.

«وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ»: الثِّقةُ تُرى في عَمَلٍ يُصلِح

ولا تَقِفُ الجُملةُ عندَ «آمنوا»، وتَصِلُ بها «عملوا الصالحات». والعَمَلُ من ع-م-ل ظُهورٌ من العُمقِ يَجتَمِعُ في فِعلٍ مَمسوك، ثمّ يَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً بأَثَرِه. والصَّلاحُ من ص-ل-ح، وأصلُه إطباقٌ صُلبٌ يَتَعَلَّقُ بوَظيفتِه، ثمّ يَخرُجُ من الضِّيقِ إلى حالٍ قابِلةٍ للقِيام. فالصالحاتُ أفعالٌ يَظهَرُ فيها إصلاحُ ما يَحتاجُ أن يَستقيم، وليست زينةً تُضافُ إلى الثِّقة. والجَمعُ يَفتَحُ العَمَلَ على تَعَدُّدِ مَواقِعِه، من غيرِ أن تُدخِلَ القِراءةُ قائمةً لم يُسمِّها النَّص.

«فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ»: الجَوابُ تَوفيةٌ لا تَترُكُ نُقصاناً

وفاءُ الجوابِ تَربطُ الثقةَ والعملَ بما يَنتظمُ عليهما. وفي التوفيةِ تُحيطُ و-ف-ي بالمحلِّ وتَنفذُ فيه حتى يَمتدَّ الإيصالُ إلى تمامه، ويُكثّفُ وزنُ التفعيلِ هذه الحركةَ في كلِّ أجر. والأجرُ من أ-ج-ر تهيّؤٌ مضغوطٌ ينبثقُ مجتمعاً ثمّ يجري إلى صاحبه. وإضافةُ «أجورهم» تَربطُ كلَّ أجرٍ بأهله، فيَكونُ كمالُ الإيصالِ هو صورةَ الوعدِ المركزية.

«وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ»: الخاتِمةُ تَنفي المَحبّةَ عن طبيعةٍ فاعِلة

وتَستأنِفُ الواوُ جُملةً يَتَقدَّمُ فيها اسمُ الله، ثمّ يأتي نَفيُ المَحبّة. وتَضَعُ الآيةُ حالَ الظُّلمِ في مُقابِلِ التَّوفية، ولا تقولُ إنّ الأُجورَ تُنقَصُ عن أحد. والظُّلمُ من ظ-ل-م، ومادّتُه غِطاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه. و«الظالمين» اسمُ فاعِلٍ يَجعَلُ الظُّلمَ طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّةً في مَن حَمَلوه، ولذلك يَقَعُ النَّفيُ على أصحابِ الحالِ الفاعِلة، دونَ اسمِ جَماعةٍ مَوروث. وبينَ التَّوفيةِ والظُّلمِ تَظهَرُ دِقّةُ الميزان: إيصالُ الحقِّ كاملاً يقابِلُ وَضعَه في غيرِ مَوضِعِه.


حَصيلة

يَفتحُ القِسمُ الثانيُ طريقَه بثِقةٍ تَنبَعِثُ من الباطن، ثمّ يَصِلُها بعَمَلٍ يُعيدُ الشيءَ إلى قابليّةِ القِيام. ويأتي الجَوابُ من جِنسِ الدِّقّة: تَوفيةٌ تَبلُغُ الأُجورَ إلى أهلِها بلا نُقصان. وأمّا الخاتِمةُ فتَنفي مَحبّةَ الله عن الظالمينَ بوَصفِهم حامِلي طبيعةٍ فاعِلةٍ تُثقِلُ الحقَّ في غيرِ مَوضِعِه، وبذلك تُقابِلُ البِنيةُ بينَ إصلاحٍ يُعمَل، وأَجرٍ يُوفّى، وظُلمٍ لا يَدخُلُ في المَحبّة.