آل عمران · الآية 63
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«فَإِن»: بَعدَ تَمامِ البيانِ يُفتَحُ احتِمالُ المَوقِف
تَصِلُ الفاءُ الآيةَ بما سَبَقَ من إثباتِ القَصصِ الحقِّ والوَحدانيّةِ والعِزّةِ والحِكمة. فلا يبدأُ الشَّرطُ في فَراغ، بل بعدَ بيانٍ اكتَمَلَت جُملُه. و«إن» لا تَحكُمُ بأنّ الفِعلَ لا بُدَّ واقِع؛ تَفتَحُ إمكانَه وتُعَلِّقُ عليه الجَواب. بهذا تَحفَظُ البِنيةُ الفَرقَ بينَ ما قَرَّرته الآيةُ السّابقةُ توكيداً، وما تَعرِضُه هذه الآيةُ احتمالاً في مَوقفِ المُخاطَبين. الحقُّ لا يَصيرُ مَشروطاً باستِجابتِهم، لكنّ استِجابتَهم هي التي تُوضَعُ في جُملةِ الشَّرط.
«تَوَلَّوْا»: حَرَكةٌ تُغيِّرُ جِهةَ الوَجه
التولّي من و-ل-ي عقدٌ يُحيطُ بصلةٍ ثمّ يمتدُّ متعلّقاً بجهة، وتَمدُّ الياءُ هذه الحركةَ في سريانها. وصيغةُ التفعّلِ تُدخلُ الفاعلَ في تحويلِ وجهته، فيصيرُ التولّي انصرافاً عن الموضوعِ الذي دُعيَ إليه. جاءَ الفعلُ جمعاً وماضياً في حيّزِ الشرط، فيَزنُ الاختيارَ الظاهر: بعدَ البيانِ يُديرُ الطرفُ صلتَه ويَخرجُ من وجهتها.
«فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ»: الجَوابُ لا يَتَعَلَّقُ بظُهورِهم
فاءُ الجوابِ تأتي بتوكيدٍ جديد: «فإنّ الله»، وتُسندُ نتيجةَ الشرطِ إلى علمه. والعِلمُ من ع-ل-م ظُهورٌ يَنبَعِثُ من العُمقِ فيَتَعَلَّقُ بمَعلومِه، ثمّ تَضُمُّه الميمُ في علامةٍ مَمسوكة. وقد وَقَعَ هنا خَبَراً لاسمِ اللهِ في جُملةِ الجَواب، فصارَ جَوابُ الشَّرطِ وَصفاً قائِماً لا إجراءً يَنتَظِرُ حُضورَهم. وبِناءُ «عليم» يَنقُلُ هذا الظُّهورَ من حالٍ تَعرِضُ إلى وَصفٍ راسِخٍ لا يَزيدُ بإقبالِهم ولا يَنقُصُ بانصِرافِهم. ولذلك يَبقى فِعلُ المُتَوَلّينَ مَحفوظاً في علامةٍ مُمسَكة، وإن أَنهى انصِرافُهم مُشارَكتَهم في الخِطاب.
«بِالْمُفْسِدِينَ»: العِلمُ يَتَّصِلُ بطَبيعةٍ فاعِلةٍ مُستَمِرّة
تَختِمُ الآيةُ بـ«عليم» موصولاً بالباءِ إلى «المفسدين». الفسادُ من ف-س-د شقٌّ يَفتحُ مجرىً ضيقاً يَسيلُ منه النظام، ثمّ يستقرُّ هذا الانفلاتُ تحتَ ضغطه. وصيغةُ الإفعالِ تَجعلُ الأثرَ متعدّياً من الفاعلِ إلى ما يُفسده، واسمُ الفاعلِ يَعرضُ أصحابَ الإفسادِ قائمينَ بحركته. وبذلك يتعلّقُ العلمُ بصفةٍ يَظهرُ أثرُها في الفعل.
حَصيلة
تَفصِلُ الآيةُ بينَ ثُبوتِ البيانِ واحتمالِ المَوقفِ منه. فالحقُّ الذي سَبَقَ توكيدُه لا تَمسُّه «إن»، وإنّما تَفتَحُ «إن» إمكانَ أن يَتَوَلّى المُخاطَبون. فإذا غَيَّروا وِجهتَهم، لم يَنتَقِلِ الجَوابُ إلى مُلاحَقتِهم بتَفصيلٍ جديد، بل إلى عِلمِ الله الراسِخ. وتَصِلُ الباءُ هذا العِلمَ بالمفسدينَ بوَصفِهم حامِلي طَبيعةٍ فاعِلةٍ تُخرِجُ الأَثَرَ من ذَواتِهم إلى غيرِهم. هكذا يُغلِقُ الشَّرطُ بابَ المُحاجّةِ من غيرِ أن يُغلِقَ ميزانَ العِلم.