قريش · الآية 4
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«أَطعَمَهم مِن جُوع»: الإخراجُ مِن مَوضِعِ الحاجَة
الفِعلُ «أَطعَمَ» على وَزنِ «أَفعَل» يَدُلُّ على التَّعدِيَة: جَعَلَ غَيرَه طاعِماً. فيه يَدٌ تَمتَدُّ بالطَّعامِ من خارجٍ إلى مَن لا يَجِدُه. والآيةُ تُضيفُ «من جوع»، فَيَصيرُ المَعنى أَدَقّ: لم يَكتَفِ بأَن أَطعَمَهم وهم في حالٍ مَّا، بل أَخرَجَهم من حالِ الجُوعِ نَفسِه إلى حالِ الشِّبَع. الفَرقُ كَبير: قَد يَأكُلُ الجائعُ لُقمَةً ويَبقى جائعاً. هُنا الإطعامُ يَنقُلُهم من حالٍ إلى حال.
وفي مَكَّةَ كانَ هذا أَمراً مَكشوفاً. الوادي غَيرُ ذي زَرع، ولا تَنبُتُ فيه ثَمَرَة. الطَّعامُ كلُّه مَجلوبٌ من اليَمَنِ والشَّامِ على ظُهورِ الجِمال. لو انقَطَعَتِ القَوافِلُ يَوماً واحداً عن مَكَّةَ، لَدَخَلَ أهلُها في جُوع. والآيةُ تَنسُبُ ما تَأكُلُ قُرَيشٌ إلى مَوضِعِ الإطعام: لَيسَ التَّمرُ من نَخلِكم، ولا القَمحُ من حَقلِكم. هو إطعامٌ أَتاكم من بَعيد، عَبَرَ شَبَكَةَ الإيلافِ التي ذُكِرَت في أوَّلِ السورة. الآيَتانِ الأُولى والثانيةُ والرابعَةُ مُتَّصِلات: الإيلافُ هو الطَّريق، والإطعامُ هو الثَّمَرَة.
ومَن لم يَزرَع وأَكَلَ، فإمّا أَنَّه ظالِمٌ سَطا، وإمّا أنَّه مَرحومٌ أُطعِمَ. وقُرَيشٌ في الحالَةِ الثانية. والذي أَطعَمَهم لم يَستَنبِت لهم نَخلاً في الوادي، بل بَنى لَهم شَبَكَةً تَحمِلُ إليهم النَّخلَ من بَعيد. الإجابَةُ على حاجَةٍ قَد تَأتي بصورَةٍ مُختَلِفَةٍ عن الحاجَةِ نَفسِها، والذي يَتَأَمَّلُ الكَيفِيَّةَ يَعرِفُ الفاعِل.
«وآمَنَهم مِن خَوف»: الأَمنُ بَعدَ الطَّعام، أو قَبلَه؟
الجَذرُ أ-م-ن في اللسانِ يَدورُ على الطُّمَأنينَة بَعدَ خَوف، والاستِقرارِ بَعدَ اضطِراب. والآيةُ هنا تَستَخدِمُ صيغَةَ «أَفعَل» نَفسَها («آمَنَهم» على وَزنِ «أَفعَل»): جَعَلَهم آمِنين، أَخرَجَهم من حالِ الخَوفِ إلى حالِ الأَمن. والإضافَةُ «من خَوف» تُؤَكِّدُ المَعنى نَفسَه الذي رأَيناه في الإطعام: ليس مُجَرَّدَ أَمنٍ يُلقى عَلَيهم، بل إخراجٌ من حالٍ كانوا فيه.
والخَوفُ في مَكَّةَ كانَ خَوفاً مَوضوعاً. الجَزيرَةُ كلُّها كانَت في غارَاتٍ وَطَوارئ. كلُّ قافِلَةٍ تَخرُجُ مُعَرَّضَةٌ لِقُطّاعِ طَريق، وكلُّ قَبيلَةٍ في خَوفٍ من قَبيلَةٍ أُخرى. ومَكَّةُ نَفسُها كانَت مُحاطَةً بهذا الخَوف، إلّا أنَّ شَيئاً في حُرمَةِ البَيتِ كانَ يَحفَظُها. مَن دَخَلَ الحَرَمَ أَمِنَ، حتى مَن قَتَلَ أباه. والآيةُ تَنسُبُ هذا الأَمنَ إلى رَبِّ البَيت: لا الحَرَمُ هو الذي يُؤَمِّن، بل الذي وَضَعَ في الحَرَمِ هذه الصِّفَة.
وتَرتيبُ الآيَة بَليغ: الإطعامُ أوّلاً، ثمّ الأَمن. وهذا مُخالِفٌ لتَرتيبِ البَقَرَة، حَيث ابتَدَأَ بـ«الخَوف» قَبلَ «الجوع» في صياغَةِ الابتِلاء. ولَكُلٍّ مَوضِعُه: في حالِ النِّعمَةِ يُذكَرُ الإطعامُ أوّلاً لأنَّه أَوضَحُ ما يَنالُهُ المُنعَمُ عَلَيه يَوميّاً، ثمّ يُذكَرُ الأَمنُ ليَكتَمِلَ المَعنى. وفي حالِ الابتِلاءِ يُذكَرُ الخَوفُ أوّلاً لأنّه أَشَدُّ ما يُكسِرُ المُبتَلى، ثمّ يَتلوهُ الجوع. الكتابُ يُغَيِّرُ تَرتيبَ الكَلِمَتَين بحَسَبِ مَقامِها.
البَيتُ المَوصول: ما بَدَأَ في «اَلبَيت» يَنتَهي في «الأَمن»
وفي البَقَرَةِ في موضِعٍ آخَر تَلتَقي الكَلِمَتانِ نَفسُهُما اللَّتان في خِتامِ هذه السورة: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾. البَيتُ والأَمن. الكلِمَتانِ مَعاً في آيَةٍ واحدَة. ما تَدَعو إليه قُرَيش هو ما تَتَكَلَّمُ عَنهُ البَقَرَة بِلِسانِ التَّأسيس: البَيتُ جُعِلَ مَوضِعَ ثَواب (مَرجعَ الأَهلِ إليه) ومَوضِعَ أَمن. وقُرَيشٌ تَأكُلُ من ثَمَرَةِ هذا الأَمنِ كلَّ يَوم.
والسورتانِ، الفيلُ وقُرَيش، تَدوران كلتاهما حَولَ هذا البَيت. الأُولى تُسَمّيه «البَيتَ» في «بَيتِكم» المُهَدَّد. والثانيةُ تُسَمّي ربَّه. وفي الآيَةِ الرابعَةِ يَكتَمِلُ القَوس: ما بَدَأَ بِلامٍ مُعَلَّقَةٍ تَلتَفِتُ بَين السورَتَين، يَنتَهي بكَلِمَتَين تُلَخِّصانِ ما يُعطيهِ ربُّ البَيتِ لأَهلِه. طَعامٌ من جُوع، أَمنٌ من خَوف. وفي يَدَين، أُجيبَتِ الحاجَةُ كلُّها.
ومَن أَكلَ في كَنَفِ بَيتٍ آمِن، ولَم يَنسِب الطَّعامَ والأَمنَ إلى ربِّ ذلكَ البَيت، قَرَأَ السورَةَ ولَم تَقرَأه. القارئُ الذي يُصغي إلى آخرِ آيَةٍ يَجِدُ نَفسَه أَمامَ سؤالٍ ثَقيلٍ على لِسانِه: ومَن أَطعَمَني من جُوعي؟ ومَن آمَنَني من خَوفي؟ وإن كانَ الجَوابُ غَيرَ ربِّ البَيت، كانَ الإطعامُ مُستَعاراً والأَمنُ مَكسُوّاً، كِلاهُما إلى زَوال.
حَصيلة
تَختِمُ السورةُ بصِفَتَين تَتَلَوّانِ ربَّ البَيت: «أَطعَمَهم مِن جُوع. وآمَنَهم مِن خَوف». الصياغَةُ بَليغَة: لا «أَطعَمَهم» وَحدَها، بل أَطعَمَهم من مَوضِعِ الجُوع. الإطعامُ (ط-ع-م) إخراجٌ من حالَةِ الجُوعِ إلى حالِ الشِّبَع. وكذلك الأَمنُ (أ-م-ن) إخراجٌ من الخَوفِ إلى الطُّمَأنينة. حاجَتانِ أَساسيَّتان، إجابَتانِ مُكتَمِلَتان. ووادي مَكَّةَ غَيرُ ذي زَرع: كلُّ طَعامٍ مَجلوبٌ بِشَبَكَةِ الإيلافِ التي ذُكِرَت في صَدرِ السورة. الآيَتانِ الأُولى والرابعَةُ مُتَّصِلَتان: الإيلافُ طَريقٌ، والإطعامُ ثَمَرَة. وتَرتيبُ الخِتامِ مَقصود: طَعامٌ ثمّ أَمن، لا عَكسَه، لأنَّ النِّعمَةَ اليَوميَّةُ تَبدأُ بِاللُّقمَة. مَن أَكَلَ في كَنَفِ بَيتٍ آمِنٍ فقَد تَلَقَّى السورةَ كلَّها على يَدَيه.