العاديات · الآية 9

﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ

«أَفَلا يَعلَم»: الاستِفهامُ الذي يُحَوِّلُ الحُكمَ سُؤالاً

كانَتِ الآياتُ السابِقَةُ إخباراً: الإنسانُ كَنود، والإنسانُ شاهِد، والإنسانُ شَديد، ثُمَّ تَتَحَوَّلُ الجُملَةُ الآنَ إلى استِفهام: «أَفَلا يَعلَم». والهَمزَةُ هَمزَةُ إنكار، وَالفاءُ لِلتَّعقيب، وَ«لا» لِلنَّفي، والمَعنى: ألَيسَ يَعلَم؟ وكَيفَ لا يَعلَم؟

وَهذا التَّحَوُّلُ بَلاغيّ، فالإخبارُ يُلقي الحَقيقَة، وَالاستِفهامُ يَنقُلُها إلى المُخاطَبِ لِيُمَيِّزَها بِنَفسِه. ولَو قالَتِ السّورَةُ «إنَّ الإنسانَ يَجهَلُ» لَكانَت قَد ضاعَفَت إخبارَها، وقد عُدِلَ عن ذلك إلى «أَفَلا يَعلَم»، فَصارَ المُخاطَبُ يَستَنطِقُ نَفسَه: أيَعلَمُ أم لا يَعلَم؟ والسُّؤالُ يَنزِلُ في الصَّدرِ ويَطلُبُ الجَواب.

«إذا بُعثِرَ ما في القُبور»: القَلبُ الكامِلُ لِما تَحتَ الأَرض

والجذرُ (ب ع ث ر) رُباعيٌّ في العربيّة، يَجمَعُ بَينَ «بَعَثَ» (الجِذرُ الثُّلاثيّ، إِيقاظٌ مِن سُكون) وَ«ثار» (إِخراجٌ بِشِدَّة)، فَيَكونُ المَعنى المُكَثَّفُ إِيقاظاً مَعَ إِخراجٍ شَديد، أي قَلباً كامِلاً يُخرِجُ ما في الباطِن، ومِنه «بَعثَرَ المَتاع» إذا أَخرَجَ ما تَحتَه فَقَلَبَ التَّرتيب. وَالقُبورُ في هذا اليَومِ تُبَعثَر، فما كانَ مُستَقِرّاً تَحتَ التُّرابِ يُقلَبُ ويَخرُج.

وَالعَجَبُ أَنَّ هذا الفِعلَ الرُّباعيَّ يَختَلِفُ عَن «بَعَثَ» الثُّلاثيِّ المُستَخدَمِ في غَيرِ مَوضِعٍ مِنَ القُرآن، فـ«بَعَثَ» إِيقاظٌ مِن نَوم، و«بَعثَر» قَلبٌ كامِلٌ مَعَ إِخراج. والنّاسُ في يَومِها لا يَنهَضونَ مِن قُبورِهم بِهُدوء، والتُّرابُ نَفسُه يُقلَب، وَالأَجسادُ تُلقى في العَراء. والفِعلُ شَديد، وَالنّاسُ مَفعولٌ بِهم لا فاعِلون، و«بُعثِرَ» مَبنيٌّ لِلمَجهول، فالمُبَعثِرُ غَيرُ مُسَمّى، غَيرَ أنَّ الفِعلَ ماضٍ عَلى وَجهِ الجَزم.

«ما في القُبور»: الجامِعُ لِلكُلِّ في كَلِمَتَين

و«ما» اسمٌ مَوصولٌ يَجمَعُ ما يَصدُقُ عَلَيه الوَصف، وقد أوثِرَ في الآيَةِ «ما في القُبور» على «إذا بُعثِرَ النَّاسُ في القُبور» وعلى «إذا بُعثِرَ مَن مات». و«ما» في الأَصلِ لِغَيرِ العاقِل، غَيرَ أنَّها تُستَخدَمُ هُنا لِلجامِعِ بَينَ ما هو إنسانٌ وَما هو رَميمٌ وَتُرابٌ وَعِظام، كَأَنَّ الإنسانَ في قَبرِه فَقَدَ تَعَيُّنَه فصارَ «ما»، مَجهولَ الهُويَّة، مَكشوفاً بِالفِعلِ الذي يَنزِلُ عَلَيه.

وَ«القُبور» جَمعُ قَبر، مِنَ الجِذرِ (ق ب ر)، وهو يَدُلُّ على ما يَستُرُ المَوتى، أي عَلى الحُفرَةِ التي تَقبَلُ الجَسَدَ ثُمَّ تُطبِقُ عَلَيه. وَهذا الفِعلُ، وهو السَّتر، هو ما تَكسِرُه آيَةُ البَعثَرَة، فالقَبرُ يَستُرُ وَالبَعثَرَةُ تَكشِف، والفِعلانِ ضِدّان، وما طَوَتهُ الأَرضُ يُنشَر.

وَفي البَقَرَةِ صَدىً جِذريٌّ لِهذا: هُناكَ يَرِدُ الفِعلُ «بَعَث» (ثُلاثيّ، إيقاظٌ هادِئ) في سِياقِ السُّؤالِ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أمّا في العادِياتِ فالفِعلُ «بُعثِرَ» (رُباعيّ، قَلبٌ كامِل)، وكَأَنَّ بَعثَ الفَردِ إيقاظ، وَبَعثَرَةَ الكَونِ كُلِّه إِخراجٌ مُكَثَّفٌ في وَقتٍ واحِد، والثُّلاثيُّ يَرفَعُ، وَالرُّباعيُّ يَقلِبُ ويُخرِج.

والسّورَةُ تُذَكِّرُ الإنسانَ بِأَنَّ ما تَحتَ الأَرضِ سَيُخرَج، وبِأنَّ الأَرضَ التي طَوَتهُ هي نَفسُها سَتَخلَعُه، وبِأنَّ القَلبَ الذي شَدَّتهُ شِدَّةٌ بِالخَيرِ سَيُكشَفُ بِبَعثَرَةِ ما تَحتَه، فهل يَعلَمُ ذلك؟


حَصيلة

تَنتَقِلُ السّورَةُ هُنا مِنَ التَّشخيصِ إلى الاستِنطاق، فبَعدَ ثَلاثِ آياتٍ مِن حُكمٍ مُؤَكَّدٍ تَقلِبُ هَمزَةُ الإنكارِ النَّبرَة: «أَفَلا يَعلَم». والفاءُ لِلتَّعقيب، و«لا يَعلَم» هو المَنفيُّ الذي يُستَنكَر. وقد تَحَوَّلَ الكتابُ عَنِ الإخبارِ عَنِ الإنسانِ إلى سُؤالِه مُباشَرَة: هو يَعرِف، فَلِمَ لا يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ مَن يَعرِف؟ والاستِفهامُ يَطلُبُ جَوابَه داخِلَ الصَّدرِ لا على اللِّسان.

وَ«إذا» شَرطٌ مَعَ ضَمانِ الوُقوع، وقد أوثِرَت على «لَو»، وهي تُشيرُ إلى ما هو آتٍ لا مَحالَة. وَ«بُعثِرَ» مِن جِذرٍ رُباعيٍّ (ب-ع-ث-ر) يُكَثِّفُ «بَعَثَ» الثُّلاثيَّ بِزيادَةِ مَعنى الإخراجِ بِشِدَّة، فـ«بَعَثَ» في القُرآنِ إيقاظٌ هادِئٌ كَنَهضَةِ نائِم، و«بُعثِرَ» قَلبٌ كامِلٌ لِما كانَ مُستَقِرّاً في باطِنِ الأَرض. والفِعلُ مَبنيٌّ لِلمَجهول، فالفاعِلُ غَيرُ مُسَمّى، والحَدَثُ مَعَ ذلك مَضمون. وكانَتِ الخَيلُ في مَطلَعِ السّورَةِ تُثيرُ الغُبارَ مِنَ الأَرض، وهُنا يُثارُ ما هو أَعمَقُ مِنَ الغُبار.

وَاختِيارُ «ما» بَدَلَ «مَن» دَقيق، فقد عُدِلَ عن «مَن في القُبور» إلى «ما في القُبور»، و«ما» في الأَصلِ لِغَيرِ العاقِل، وَهي هُنا تَجمَعُ بِغَيرِ تَعيين: الجَسَدُ وَالعَظمُ وَالتُّرابُ وَمَن كانَ هُناك، والمَيِّتُ في قَبرِه فَقَدَ تَعَيُّنَه فصارَ «ما». وَالبَعثَرَةُ تَكشِفُ ما طَواهُ جِذرُ (ق-ب-ر)، فالقَبرُ يَستُرُ ويَطوي، وَالبَعثَرَةُ تَنقُضُ هذا الطَّيَّ كُلَّه. وَفي البَقَرَةِ قِصَّةُ مَن تَساءَلَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، فأُجيبَ بِبَعثٍ ثُلاثيٍّ هادِئ، أَمّا هُنا فَالإجابَةُ بِبَعثَرَةٍ رُباعيَّةٍ كَونيَّة، والفَرقُ في حَجمِ الحَدَث.