الإخلاص · الآية 4

﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ

«كُفُواً»: نَفيُ المُكافِئ، لا نَفيُ الشَّبيه فَحَسب

قد يُقالُ إنّ الآيةَ تَنفي عن الذَّاتِ أن يَكونَ لها شَبيه. لكنّ «كُفء» في العربيّةِ أَدَقُّ من «شَبيه». الشَّبيهُ ما يُشبِهُك في صورةٍ أو وَصف. والكُفءُ ما يَقومُ في مَوضِعِك على وَجهِ المُكافَأة، أي ما تُكافِئُه أنت ويُكافِئُك هو. الشَّبيهُ قد يَكونُ في رُتبةٍ دونَك أو فَوقَك. أمّا الكُفءُ فيَستَوي معك على نَفسِ الكِفّةِ من المِيزان. ولذلك قِيلَ: «هؤلاء أكفاءُ هؤلاء» إذا تَساوَوا في القَدرِ والجِنس.

والآيةُ، إذ تَختارُ هذه اللفظةَ بالذَّات، تَنفي ما هو أَعمَقُ من نَفيِ الشَّبَه. قد يَقومُ في الذِّهنِ صورةُ شَبيهٍ ثُمّ يُقالُ: ولكن لله مَنزِلَةٌ أَعلى. الكُفءُ يَنفي هذا الاحتِمالَ. لا يَقومُ شَيءٌ في كِفّةٍ تُوازَنُ به كِفّتُه، لا في صَنفٍ يَنزِلُ منه ولا في فِعلٍ يَصنَعُه. ليس له نَدٌّ يُقاسُ بِه ولا مُكافِئٌ يَنوبُ عنه.

عَودَةُ «أحد» في خاتِمَةِ السورة

الكلمةُ التي افتَتَحَت بها السورةُ هي الكلمةُ التي تَختَتِمُ بها. «هو الله أَحَد»، ثمّ «ولم يَكُن له كُفُواً أَحَد». الكلمةُ نَفسُها في المَوضعَين، لكنّها لا تَفعلُ الشَّيءَ نَفسَه. في المَوضعِ الأَوّلِ هي اسمٌ للذَّاتِ في تَفَرُّدِها. في المَوضعِ الثانيهي ضَميرٌ نَفيٍ مُطلَقٍ يَستَغرِقُ كلَّ صَنف.

وفي عَودَتِها بِنيَةٌ بَلاغيّةٌ مُحكَمَة. السورةُ تَفتَحُ على «أحد» فتَنفي صَنفَه، ثمّ تَنفي حاجَتَه (الصَّمد)، ثمّ تَنفي نَسَبَه (لم يَلِد ولم يُولَد)، ثمّ تَعودُ إلى «أحد» في النَّفيِ الأَخير. كأنّ الكلمةَ تُحيطُ بالسورةِ من طَرَفَيها كحَلَقةٍ تَدورُ على ذاتِها. ومن قَرأها مرّاتٍ شَعَرَ بهذا الانغِلاقِ المُتقَن: لا يَخرُجُ المعنى من السورةِ إلى خارجِها، ولا يَدخُلُ شيءٌ من خارجِها إلى داخلِها. كأنّ بِنيَتَها مُكافِئَةٌ لما تَقولُه: ذاتٌ لا فَرعَ منها ولا فَرعٌ إليها.

السورةُ كلُّها بِنيَةُ نَفيٍ مُتَدَرِّج

إذا أُصغِيَ إلى السورةِ كَوَحدَة، انكَشَفَ بِناؤها كَدَرَجاتٍ من النَّفي. الآيةُ الأُولى تَنفي الصَّنفَ المُشتَرَك (أحد). الآيةُ الثانيةُ تَنفي الحاجةَ في الذَّات (الصَّمد). الآيةُ الثالثةُ تَنفي النَّسَبَ من الجِهَتَين (لم يَلِد ولم يُولَد). الآيةُ الرابعةُ تَنفي المُكافِئَ في كلِّ شَيء (لم يَكُن له كُفُواً أَحَد). أربعُ نَفياتٍ مُتَدَرِّجة، كلُّ واحدةٍ منها تُغلِقُ ما لو فُتِحَ لانفَتَحَ منه بابُ شِركٍ أو قِياس.

والقارئُ الذي يَنطِقُ السورةَ يَلمَسُ هذا التَّدَرُّجَ في فَمِه قبل أن يَتَأَمَّلَه في عَقلِه. تَنزِلُ الآياتُ كَنَقَراتٍ مُتَتالِيَة، كلُّ واحدةٍ منها تَحبِسُ بابَاً. وعَلى قِلّةِ كَلِماتِها، فإنّ ما تَنفيهِ من الأبوابِ يَستَغرِقُ شَطراً واسِعاً مِمّا يُمكِنُ أن يُتَخَيَّلَ من بِناءِ التَّوحيد: لا قيمَتُها في طُولِها، بل في عَدَدِ الأبوابِ التي تُغلِقُها بكَلِماتٍ مَعدودة. الكلمةُ تَسبقُ المُصطلَح، وقَوسُ السورةِ يَنغَلِقُ على نَفسِه دونَ أن يُترَكَ فيه ثَلمَة.

وفي البقرةِ يَتَكَرَّرُ معنى نَفيِ المُكافِئِ بألفاظٍ أُخرى. حين تَقولُ آيةُ الكُرسيِّ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، تَنفي عن الذَّاتِ ثِقَلاً يُحاكي ثِقَلَ المَخلوق. وحين تَقولُ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، تَنفي عن العُلومِ كلِّها أن تَكونَ كُفؤاً لعِلمِه. البقرةُ تَنفي بالتَّفاصيل. والإخلاصُ تَنفي بكلمةٍ تَجمَعُ التَّفاصيلَ كلَّها: «كُفُواً أَحَد».

الجِذرُ يَعبُرُ الألسُن: «كُفُو» و«copy»

الإصغاءُ إلى الجَذرِ لا يَقفُ عِندَ حُدودِ اللِّسانِ العَرَبيّ. النَّواةُ الصَّوتيّةُ ك-ف تَحمِلُ في ألسُنٍ مُتَباعِدةٍ معنى الانطِباقِ عَلى الثَّاني: المَطويُّ عَلى نَفسِه، الصورةُ المَأخوذةُ عَن أصلٍ تُوازِنُه. في العربيّةِ «كُفء»، المُماثِلُ على الكِفَّة. في العِبريّةِ kāphal (כפל)، المُضاعَف، المَطويّ. وفي اللاتينيّةِ، التي وَرِثَت منها الإنكليزيّةُ كَلِمَتَها copy، الجِذرُ copia الذي صارَ في الاستِعمالِ الكَنَسيِّ القُرونوَسطيِّ يَعني «النُّسخةَ المَأخوذة عن أصلٍ تُماثِلُه». هَيكَلٌ صَوتيٌّ واحدٌ K-F يَطوي ألسُنَ البَشَرِ على معنىً واحد: الثَّاني الذي يُسَدُّ به مَكانُ الأَوَّل.

وعَلى هذا الإصغاءِ، أَصدَقُ ترجَمةٍ للآيةِ في الإنكليزيّةِ ليست "there is none equal to Him" ولا حتّى "none comparable"، بَل "there has never been a copy of Him". وأَصدَقُها في الفرنسيّةِ ليست "nul n'est égal à Lui"، بَل "il n'y a jamais eu de copie de Lui". الآيةُ تَنفي النُّسخَة. لا ثانٍ يُكَرِّر، لا صورةٌ تُنقَل، لا أَصلَ يُستَنسَخ. ومَن سَمِعَ بكَلِمةِ «copy» مِن طِفولَتِه يَعرفُ تَماماً ما تَنفيه الآيةُ، حَتّى وإن لم يَقرَأ العربيّةَ يَوماً.

الكَلِمةُ تَعبُرُ ألسُنَ البَشَر، ومَعناها يَبقى ثابِتاً في هَيكَلِها الصَّوتيّ. القُرآنُ يَتَكَلَّمُ بالعربيّة، ولكنّ ما يَنفيهِ يُسمَعُ في كلِّ لِسان.


حَصيلة

تُختَتَمُ السورةُ بكَلِمَتَين تَلتَئِمانِ مَع كَلِمَتَيها الأُولى. فيها «أَحَد» مَرّةً ثانيةً تَعودُ كما بَدأَت بها، وفيها «كُفُو» الجامعةُ التي تَنفي كلَّ ما يُتَخَيَّلُ من شِبهٍ أَو نِدّ. والكُفءُ في الجذرِ (ك-ف-أ) أَدَقُّ من «الشَّبيه»: الشَّبيهُ يُشبِهُكَ في صورةٍ، وقد يَكونُ في رُتبةٍ دونَكَ أَو فَوقَك؛ أمّا الكُفءُ فيَقومُ في مَوضِعِكَ على وَجهِ المُكافَأَة، تَتَوازَنُ به الكِفَّتانِ على ميزانٍ واحد. ومنه «الكَفاءَة» في عَقدِ الزَّواج: المُساواةُ في الجِنسِ والمَنزِلة. فالآيةُ لا تَنفي مُجَرَّدَ الشَّبَه، بل تَنفي وُجودَ كِفّةٍ تُوازَنُ بكِفَّتِه أَصلاً: لا في صَنفٍ، ولا في رُتبَة، ولا في فِعل. ويَعبُرُ الجَذرُ ك-ف ألسُنَ البَشَر: العَرَبيّةُ «كُفء»، والعِبريّةُ kāphal (كفل) المُضاعَفُ المَطويّ، واللاتينيّةُ copia التي صارَت copy: النُّسخَةُ المَأخوذةُ عن أَصلٍ تُماثِلُه. هَيكَلٌ K-F واحدٌ على معنىً واحد: الثاني الذي يُسَدُّ بِه مَكانُ الأَوّل. فأَصدَقُ ما يُقالُ في الإنكليزيّةِ ليس "none equal to Him" بل "there has never been a copy of Him": لا نُسخَةَ ولا مُكَرِّر. وفي عَودةِ «أَحَد» في الخاتِمةِ بِنيَةٌ مُحكَمة: في المَوضعِ الأَوّلِ اسمٌ للذَّاتِ في تَفَرُّدِها، وفي الثاني نَكِرَةٌ في سياقِ نَفيٍ مُطلَقٍ يَستَغرِقُ كلَّ صَنف. والسورةُ كلُّها أَربعُ نَفياتٍ مُتَدَرِّجة: نَفيُ الصَّنف، ثُمّ نَفيُ الحاجة، ثُمّ نَفيُ النَّسَب، ثُمّ نَفيُ المُكافِئ. أَربعُ نَقَراتٍ على بابٍ يُغلَقُ من جِهاتٍ أَربع. وعَلى قِلّةِ كَلِماتِها، فإنّ ما تَنفيه من الأَبوابِ يَستَغرِقُ شَطراً واسِعاً مِمّا يُمكِنُ أن يُتَخَيَّلَ من بِناءِ التَّوحيد: قيمَتُها في عَدَدِ الأبوابِ التي تُغلِقُها لا في طُولِها. والكَلِمةُ التي افتَتَحَت بها السورةُ هي التي تَختَتِمُ بها، فتَدورُ كحَلَقةٍ على نَفسِها كما تَدورُ المَعاني في ذاتٍ لا فَرعَ منها ولا فَرعٌ إليها.