الإسراء · الآية 104

﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا

«وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ»: قَولٌ يُسنَدُ إلى مَن أسنَدَ إليه الجَوابُ قَبلَه

الضَّميرُ في «قُلنا» هو الضَّميرُ في الفِعلِ الذي خَتَمَ الآيةَ قَبلَها. الذي أجابَ هو الذي يَقول.

و«مِن بَعدِه» ظَرفٌ مُضافٌ إلى ضَمير. لم يُعَدْ ذِكرُ المَذكور، ولم يُذكَرْ ما بَينَ الحَدَثَينِ من مُدّة. رُتِّبَ القَولُ على ما سَبَقَ ووُقِفَ عِندَ التَّرتيب.

واللّامُ في «لِبَني إسرائيل» لامُ التَّبليغ: القَولُ مُوَجَّهٌ إلَيهِم. وهُم أنفُسُهُم الذين أُمِرَ بِسُؤالِهِم في هذا المَقطَع، فمَرَّةً يُطلَبُ منهُم خَبَرٌ ومَرَّةً يُنزَلُ عَلَيهِم أمر.

«اسْكُنُوا الْأَرْضَ»: أمرٌ يَرُدُّ الكَلِمةَ التي أُريدَ نَزعُهُم منها

«الأرض» بِأل. وهي الكَلِمةُ التي جَرَت في الآيةِ قَبلَها بِحَرفِها: يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾. هُناكَ جاءَت مَجرورةً بِـ«مِن» فكانَت مَبدَأَ نَزع، وهُنا تَجيءُ مَنصوبةً بِلا حَرفٍ فتَصيرُ مَحَلَّ استِقرار. كَلِمةٌ واحِدةٌ في آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَين، تُنزَعُ عنها في الأولى ويُؤمَرُ بِلُزومِها في الثّانِية.

وانظُرْ أيَّ فِعلٍ اختيرَ لِلأمر. لم يُقَلْ «مَلِّكوا» ولا «رِثوا» ولا «ادخُلوا». قيلَ «اسكُنوا».

والجِذرُ س-ك-ن ثُبوتٌ يَلزَمُ مَوضِعَه بَعدَ حَرَكةٍ انكَتَمَت. ومنه «السَّكَن» ما يُسكَنُ إليه، و«السَّكينة» هُدوءٌ يَستَقِرّ. فالمُعطى قَرارٌ لا صَكُّ مِلك، والمَطلوبُ لُزومُ المَوضِعِ لا التَّصَرُّفُ فيه.

وقابِلْ بَينَ الفِعلَين. ذاكَ اهتِزازٌ يُخِفُّ القارَّ حتّى يَنقَلِع، وهذا سُكونٌ يُمسِكُ الحَرَكةَ حتّى تَقِرّ. أُريدَ لَهُم أن يَخِفّوا فقيلَ لَهُم اثبُتوا.

«فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ»: شَرطٌ لِما لا يُشَكُّ في وُقوعِه

«إذا» لِما يُقطَعُ بِوُقوعِه وإن جُهِلَ وَقتُه، و«إنْ» لِما يُتَرَدَّدُ فيه. فالفاصِلُ بَينَ الأمرِ وما بَعدَه لَيسَ احتِمالاً بَل مَوعِد.

وانظُرْ ما أُسنِدَ إليه المَجيء. لم يُقَلْ «فإذا جاءَ اليَومُ» ولا «فإذا جاءَتِ السّاعة». قيلَ «وَعدُ الآخِرة»: الجائي عَقدٌ لا زَمَن.

والجِذرُ و-ع-د عَقدٌ باطِنٌ يُقبَضُ عَلَيهِ ثُمَّ يَثبُتُ فلا يَنفَكّ. فالذي يَجيءُ هو ما كانَ مَعقوداً من قَبل، لا شَيءٌ يَستَجِدّ. و«الآخِرة» من أ-خ-ر: ما يَقَعُ وَراءَ حاجِزٍ اختُرِقَ ثُمَّ جَرى، أي وَراءَ المُدرَكِ الآن.

والجُملةُ التي مَنَحَتِ السُّكونَ هي الجُملةُ التي وَقَّتَتْه. سُكنى في أرضٍ، ومَوعِدٌ مَعقودٌ في السَّطرِ نَفسِه.

«جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا»: مَجيءٌ يُقابِلُ مَجيئاً، وباءٌ تَنقُلُ الفاعِلِيّة

الفِعلُ نَفسُه مَرَّتَينِ في جُملةٍ واحِدة: «جاءَ» ثُمَّ «جِئنا». والجِذرُ ج-ي-أ تَجَمُّعٌ يَسري ثُمَّ يَتِمُّ بِوُصولِه، فهو وُصولٌ مُتَحَقِّقٌ لا اقتِرابٌ مُجَرَّد.

ثُمَّ انظُرْ إلى الفَرقِ بَينَ المَرَّتَين. الأولى لازِمة: الوَعدُ يَجيءُ بِنَفسِه. والثّانِيَةُ عُدِّيَت بِالباء: «جِئنا بِكُم»، فأنتُم لا تَجيئون، بَل يُجاءُ بِكُم. مَن خوطِبَ بِفِعلِ أمرٍ في صَدرِ الآيةِ صارَ مَجروراً بِباءِ التَّعدِيَةِ في عَجُزِها.

و«لَفيفاً» حالٌ منهُم. والجِذرُ ل-ف-ف تَعَلُّقٌ يَدورُ ويُعادُ حتّى يَضُمَّ ما دارَ عَلَيهِ في لَفّةٍ واحِدة. واللَّفيفُ جَمعٌ من أخلاطٍ شَتّى ضَمَّهُم لَفٌّ واحِدٌ فلَم يُفرَزْ فيه صِنفٌ عن صِنف.

وخُتِمَتِ الآيةُ قَبلَها بِـ«جَميعاً» وتُختَمُ هذه بِـ«لَفيفاً». حالانِ في مَوضِعَينِ مُتَجاوِرَين، وكِلاهُما يَجمَع. الأولى تَعُمُّ فلا تُخرِجُ أحَداً، والثّانِيَةُ تَلُفُّ فلا تَفرِزُ أحَداً.

سُكنى تُعطي كُلَّ واحِدٍ مَوضِعاً، ولَفٌّ يَرُدُّ الجَميعَ إلى لَفّةٍ واحِدة.


حَصيلة

الضَّميرُ في «قُلنا» هو ضَميرُ الفِعلِ الذي خَتَمَ الآيةَ قَبلَها، و«مِن بَعدِه» تَرتيبٌ بِلا مُدّةٍ تُذكَر. ثُمَّ «الأرض» تَعودُ بِحَرفِها: كانَت في الأولى مَجرورةً بِـ«مِن» مَبدَأَ نَزع، وتَجيءُ هُنا مَنصوبةً مَحَلَّ قَرار. والفِعلُ المُختارُ «اسكُنوا»، وس-ك-ن ثُبوتٌ يَلزَمُ مَوضِعَه بَعدَ حَرَكةٍ انكَتَمَت: قَرارٌ يُعطى لا صَكُّ مِلك، وهو نَقيضُ ف-ز-ز الذي يُخِفُّ القارَّ حتّى يَنقَلِع. ثُمَّ «إذا» لِما لا يُشَكُّ في وُقوعِه، والجائي «وَعد» لا زَمَن، وو-ع-د عَقدٌ يُقبَضُ عَلَيهِ فيَثبُت، و«الآخِرة» من أ-خ-ر ما وَراءَ المُدرَكِ الآن: فالجُملةُ التي مَنَحَتِ السُّكنى وَقَّتَتْها في سَطرِها. ثُمَّ ج-ي-أ مَرَّتَين، لازِماً فيَجيءُ الوَعدُ بِنَفسِه، ومُعَدّىً بِالباءِ فيُجاءُ بِهِم. و«لَفيفاً» من ل-ف-ف: دَورٌ يُعادُ حتّى يَضُمَّ الأخلاطَ في لَفّةٍ واحِدة، بَعدَ «جَميعاً» في خِتامِ الآيةِ قَبلَها. تِلكَ لا تُخرِجُ أحَداً وهذه لا تَفرِزُ أحَداً، وبَينَهُما أمرٌ بِأن يَسكُنَ كُلُّ واحِدٍ مَوضِعَه.