الإسراء · الآية 105

﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا

«وَبِالْحَقِّ»: جارٌّ يَتَقَدَّمُ فِعلَه مَرَّتَين

يُقَدَّمُ الجارُّ والمَجرورُ على الفِعلِ في الشَّطرَينِ مَعاً. والتَّقديمُ في مِثلِ هذا يَصرِفُ العِنايةَ إلى المُقَدَّمِ ويَحصُرُ الحُكمَ فيه.

والباءُ باءُ المُصاحَبة. لَيسَ «لِلحَقِّ أنزَلناه» فيَكونَ الحَقُّ غايةً تُطلَبُ بَعدَه، ولا «عَنِ الحَقِّ» فيَكونَ مَصدَراً يُصدَرُ عنه ثُمَّ يُفارَق. الحَقُّ مُلابِسٌ لِلنُّزولِ نَفسِه، يَنزِلُ مَعَه لا قَبلَه ولا خَلفَه.

والجِذرُ ح-ق-ق ثُبوتٌ مُحكَمٌ لا يُزَحزَح. ومنه «حَقَّ عَلَيهِ» ثَبَتَ فلَم يَبقَ لَه دَفع. فالمُصاحِبُ لِهذا النُّزولِ لَيسَ صِدقاً في الخَبَرِ فَحَسب، بَل شَيءٌ لا يُزالُ عن مَوضِعِه.

«أَنزَلْنَاهُ» ثُمَّ «نَزَلَ»: فِعلٌ واحِدٌ مُتَعَدِّياً ثُمَّ لازِماً

الجِذرُ واحِدٌ في الشَّطرَينِ والصيغةُ تَختَلِف. الأولى على أفعَلَ ومَعَها فاعِلٌ ومَفعول: مُنزِلٌ وضَميرٌ يَعودُ على المُنزَل. والثّانِيَةُ على فَعَلَ لازِمةً، ليسَ مَعَها إلّا هو.

فالشَّطرُ الأوَّلُ يَنظُرُ إلى جِهةِ الإرسال، والثّاني يَنظُرُ إلى جِهةِ الوُصول. وما لَزِمَه في الأولى لَزِمَه في الثّانِية بِالحَرفِ نَفسِه.

وانظُرْ ما بَينَ الطَّرَفَين. لا كَلِمةَ ولا شَرطَ ولا ظَرف. لم يُقَلْ «ثُمَّ نَزَل»، فيَتَراخى، ولا «وقد نَزَل»، فيُستَأنَف. باءٌ عِندَ الإصدارِ وباءٌ عِندَ الوُرود، ولَيسَ بَينَهُما مَوضِعٌ يَدخُلُ منه شَيء.

والجِذرُ ن-ز-ل وُصولٌ مُكتَنِزٌ يَنتَهي إلى مَوضِعٍ بِعَينِه فيَلزَمُه، لا سُقوطٌ عارِضٌ بِلا مَقصِد. ففي الجِذرِ نَفسِه مَبدَأٌ ومُنتَهى، والصيغَتانِ قَسَمَتا هذَينِ الطَّرَفَينِ بَينَهُما.

«وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا»: صَدرٌ جَرى قَبلاً ونَفى، ويَجري هُنا فيَحصُر

«ما» نافِيَةٌ و«إلّا» استِثناء، وهو حَصر. تُفرَغُ الأحوالُ كُلُّها ثُمَّ يُستَثنى حالان.

وهذا الصَّدرُ بِعَينِه قد جَرى في هذه السّورةِ من قَبل: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. هُناكَ يُنفى وَصفٌ واحِدٌ ولا يُستَثنى شَيء، وهُنا يُنفى كُلُّ شَيءٍ ويُستَثنى وَصفان. مَطلَعٌ واحِدٌ يَعمَلُ في المَوضِعَينِ عَمَلَينِ مُتَقابِلَين.

والجِذرُ ر-س-ل انطِلاقٌ من مَصدَرٍ لا يَقِفُ حتّى يَتَّصِلَ بِمُستَقبِلِه. ومنه «على رِسلِك» لِلمَشيِ الهَيِّنِ الذي لا يُستَعجَل. فالإرسالُ في أصلِ حُروفِه جَريانٌ مُتَّصِلٌ غَيرُ مُستَعجَل، وهذا حَرفٌ يَعودُ في الآيةِ بَعدَها.

و«مُبَشِّراً» على وَزنِ التَّفعيل. والجِذرُ ب-ش-ر ظُهورٌ يَسري رَقيقاً في الظّاهِر، ومنه «البَشَرة» ظاهِرُ الجِلدِ الذي يُعلِنُ ما في الباطِن. فالبِشارةُ خَبَرٌ يُقاسُ بِأثَرِه على الوَجهِ قَبلَ أن يُقاسَ بِلَفظِه.

وهذا الفِعلُ بِعَينِه قد أُسنِدَ في هذه السّورةِ إلى المُنَزَّلِ لا إلى المُرسَل: وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. عَمَلٌ واحِدٌ يُنسَبُ مَرَّةً إلى ما نَزَلَ ومَرَّةً إلى مَن حَمَلَه.

و«نَذيراً» على وَزنِ فَعيل، لا على وَزنِ الأوَّل. والجِذرُ ن-ذ-ر إخراجٌ حادٌّ يَجري حتّى يَبلُغَ المُنذَر، والإنذارُ إبلاغٌ قَبلَ الوُقوعِ لا خَبَرٌ بَعدَه. فالحالانِ لا يَجريانِ على صيغةٍ واحِدة، وبَينَهُما واوٌ تَجمَعُ ولا تُرَتِّب.

وكِلا الوَصفَينِ إبلاغ. حَصرٌ يُبقي حالَينِ في الخَبَر، ولا يُبقي في اليَدِ نَتيجة.


حَصيلة

جارٌّ يَتَقَدَّمُ فِعلَه في الشَّطرَينِ، وباءُ مُصاحَبةٍ تَجعَلُ الحَقَّ نازِلاً مَعَ النُّزولِ لا غايةً وَراءَه، وح-ق-ق ثُبوتٌ مُحكَمٌ لا يُزَحزَح. ثُمَّ جِذرٌ واحِدٌ بِصيغَتَين: أفعَلَ ومَعَها مُنزِلٌ ومُنزَل، ثُمَّ فَعَلَ لازِمةً ليسَ مَعَها إلّا هو. الأولى في جِهةِ الإصدارِ والثّانِيَةُ في جِهةِ الوُرود، ولا كَلِمةَ بَينَهُما ولا ظَرف، فالباءُ في الطَّرَفَينِ ولا مَوضِعَ بَينَهُما يَدخُلُ منه شَيء. ون-ز-ل في أصلِه مَبدَأٌ ومُنتَهى، فقُسِمَ الطَّرَفانِ على الصيغَتَين. ثُمَّ «ما... إلّا» حَصرٌ يُفرِغُ الأحوالَ ويَستَثني حالَين، وصَدرُه قد جَرى في السّورةِ نافِياً وَصفاً واحِداً بِلا استِثناء. ور-س-ل انطِلاقٌ مُتَّصِلٌ غَيرُ مُستَعجَل. و«مُبَشِّراً» على التَّفعيلِ من ب-ش-ر: ظُهورٌ يَسري في الظّاهِرِ فيُقرَأُ على الوَجه، وهو الفِعلُ الذي أُسنِدَ في هذه السّورةِ إلى المُنَزَّلِ نَفسِه. و«نَذيراً» على فَعيلٍ من ن-ذ-ر: نُفوذٌ حادٌّ يَبلُغُ قَبلَ الوُقوع. صيغَتانِ مُختَلِفَتانِ لِحالَينِ لا ثالِثَ لَهُما، وكِلاهُما إبلاغ.